#1  
قديم 10/06/2009, 08:14 PM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
اخترت لكـــــــم 2

لقاء مع رجل الهيئة (حسيب معروف)

التقت مجلة الحقيقة مع أحد رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكان لنا معه هذا الحوار

عرفنا بنفسك أخي الكريم.
أخوكم حسيب معروف موظف بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أهلا بك أخي حسيب . أتمنى منك أن تلخص لنا عمل الهيئة في ثلاث كلمات
ثلاث كلمات (قليلة شوي) ولكن يتلخص عمل الهيئة باختصار في مكافحة أمراض المجتمع.

هل يمكن أن تعطينا فكرة أخوي حسيب عن هذه الأمراض المنتشرة التي ذكرت؟
الأمراض التي نعالجها كثيرة وأذكر لك بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر فايروس الغزل وينتشر هذا الفايروس في الأسواق والأماكن المزدحمة ويكون من أعراضه (زغللة في العينين ) ومرض وسواس السحرة والمشعوذين وكذلك الطفح الجلدي الذي يسبب حالة ( السفور والتبرج ) بالإضافة إلى مكافحتنا لبكتيريا الكبتاجون التي تؤدي إلى مرض ( فرط الحركة والأرق الذي يستمر ليومين أو ثلاثة) كما أننا نقوم بطمر برك الخمور والتي تشكل خطرا على المارة ليلا وخصوصا من لا يكون لديهم مصباحا للهداية كما أنه يمكن أن يتكاثر فيها البعوض الناقل لمرض( وين أنا فيه)

ماهي الأماكن التي تتواجدون فيها؟
قريبا من مدارس البنات والبنين خصوصا وقت الدوام الصباحي ووقت الانصراف وفي الأسواق الكبيرة وبالذات بين يومي 25- 29 من كل شهر (تعرف زحمة أيام استلام الرواتب) بالإضافة إلى الأماكن التي يكثر فيها الشباب ولا مانع من أخذ (لفة أو لفتين) حول حدائق العوائل .

هناك يابو معروف من يستهدفكم ويحاول تشويه صورتكم فماهو السبب في رأيك؟
باختصار شديد يا أخي الكريم (اللي في بطنه ريح مايستريح).

أثارت نية الهيئة تركيب كاميرات مراقبة في الأسواق ضجة كبيرة في الصحف المحلية هلا أعطيتنا تفسيرا لكل هذا الصخب؟
ياأخي الموضوع ومافيه أن الهيئة فكرت في وضع كاميرات مراقبة في الأسواق الكبيرة ويكون لها غرفة مراقبة بدلا من نشر موظفي الهيئة في زوايا السوق وهذه الفكرة موجودة عند رجال المرور لمراقبة الطرق وكذا لدى البنوك وموجودة أيضا في المشاعر بمنى وعرفات بل في داخل المسجد الحرام فهي توفر الجهد وعدد الموظفين

ماطبيعة عمل هذه الكاميرات بالضبط؟
باختصار تقوم هذه الكاميرات بنفس الدور الذي يقوم به أخوك حسيب فمن يتفهم دور رجل الهيئة في السوق سيتفهم دور الكاميرات فنحن نقوم بمراقبة المتسوقين والحرص على راحتهم وعند وجود معاكسات كأن يقوم شخص بملاحقة النساء ورمي الأرقام عليهن ومضايقتهن بكلمات الغزل أو التحرش بهن في الأماكن المزدحمة هنا يتدخل حسيب وإخوته لتوقيف ذلك الشخص كما نحرص على المراقبة حول السوق حتى لا يحدث اختطاف لا سمح الله . فكثير من الأشخاص ذوي النفوس المريضة يطوف حول السوق سبعة أشواط ثم يسعى بين مدارس البنين والبنات سبعة أشواط ثم يرمي المارة بأرقام الجوال ونحن نمنعه من الرمي حتى لا يتحلل بعد الرمي بالإضافة للنصح الذي نقوم به عند ملاحظة وجود تبرج يدعو إلى الفتنة.

ذكرت أن الكاميرات موجودة في العديد من أجهزة الدولة إذا لماذا يكون الاعتراض عليكم فقط؟
هم يقولون نستطيع أن نتفهم وجود الكاميرات لدى بعض الأجهزة لأنها تحافظ على الأمن ولكن أنتم لستم جهازا أمنيا وأقول لهم جهاز الهيئة مهمته الأساسية النصح وهو مع اختلاف دوروة عن أجهزة الأمن إلا أنه أمني بامتياز باعتبار يساهم بحفظ الأمن ومن قال أن الهيئة لا تساهم بحفظ الأمن فهو مخطئ ، ليتك تدري أن أكثر جرائم القتل والإغتصاب يكون السبب الأول فيها انتشار برك الخمور التي ذكرناها سابقا بالإضافة إلى أفلام (ربي كما خلقتني ) التي تدعو إلى الإباحية كما أن أغلب جرائم الإختطاف تحدث ممن يطوفون حول المدارس والأسواق فلولا حسيب وإخوته لتضاعف عدد هذه الجرائم عشرات المرات فياليت قومي يعلمون . والفرق بيننا وبين أجهزة الأمن أننا نركز على النصح و شعارنا (من ستر مسلما ستره الله ). فما نسبته 90% أو أكثر من القضايا التي نتعامل معها تنتهي في حينها دون التشهير أما مايكون فيها جناية أو تعد على الآخرين فنحيلها على الجهات المختصة كالشرطة مثلا .

( عليك نور أخي حسيب ) كل ماذكرته إلى الآن يخدم المجتمع ولكن لماذا كل هذه الحرب الشعواء على الهيئة لم تعطني سببا أومبررا لذلك؟
يا أخي الكريم قلت لك سابقا (اللي في بطنه ريح مايستريح ) والله لو أن الدولة ألغت الهيئة ثم أعلنت وزارة الداخلية مثلا عن إنشاء جهاز وأسمته (جهاز المراقبة ) على سبيل المثال ثم جندت فيه الآلاف من الشباب حليقي الذقون وكان عمل هذا الجهاز نفس عمل الهيئة تماما لما وجدت معارضا واحدا . لهذا الجهاز ولكن لأن اسمه مشتق من الآية التي تقو(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) . ولأن من يقومون عليه يظهر عليهم تطبيق السنة أقاموا الدنيا علينا ولم يقعدوها.

انتشرت في الآونة الأخيرة قضايا القبض على المشاهير فهل تتعمدون مراقبة المشاهير؟
لانتعمد ذلك أبدا كما صرح المتحدث الرسمي باسمنا وقال أن ذلك يؤلمنا كثيرا

إذا لماذا كثرت سقطات المشاهير؟
السؤال اللي بعده لو سمحت

من هو الداعم الأول للهيئة ؟
سمو النائب الثاني وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز حفظه الله .

ماهي القضايا التي تلاحظون من خلال دراستكم أنها استجدت في السنوات الأخيرة؟
كثيرة ياخوك ومنها انتشار التشبه بالنساء والعكس أو مايعرف بــ (البويات) وتصوير الانتهاكات بالجوال وأدغال الإنترنت التي تحتاج إلى حلقة خاصة بها

لماذا لا يكون هناك قناة فضائية تعطينا فكرة عن بعض إنجازاتكم ؟
الأمر يعود للقيادة في الجهاز فهم أدرى بما يحتاجون إليه.

قبل أن ننهي هذا اللقاء اذكر لنا موقفا محرجا حدث لك المواقف كثيرة من ضرب وشتم(بس شبابنا يتحملون) ولكن يحضرني الآن أحد المواقف فعندما كنت ذاهبا لسيارة العمل وجدت فتاتين تقومان بتنسيم كفرات سيارتي وكان هذا من المواقف العجيبة جدا بالنسبة لي .

في نهاية الحوار نشكرك أخي حسيب على سعة صدرك ونتمنى أن نلتقيك في حوار قادم بإذن الله وقد خفت وطأة هذه الحملات التي تواجهها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11/06/2009, 12:28 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
كيف نربي فتياتنا على العفة؟!

كيف نربي فتياتنا على العفة؟!




المتأمل لكتاب الله عز وجل؛ سيجد أنه ذو منهج فريد ومتميز في بناء العفة، يكاد لا يترك عقلًا بشريًّا، إلا وخاطبه بصورة ملائمة، ولا نفسًا بشية إلا ووجد لها منفذًا يصل من خلاله إلى مبتغاه في تكريس معنى الفضيلة والعفة، وذلك بتعدد الصور التي طرحها وشمولها.


فقد جاء النص القرآني المباشر يخاطب النفس الخشنة الغليظة التي لا تدرك معنى الإشارة، ولا تفهم ما وراء العبارة، ولكنها تحتاج إلى خطاب مباشر وصريح، يزلزل كيانها الداخلي، ولا يترك لها مجالًا للمراوغة أو التفلت من الاستجابة للأوامر الشرعية.


وبعيدًا عن الاستقصاء في هذا المجال؛ سنجد منذ الوهلة الأولى النص المباشر والواضح في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه؛ فإن (من حام حول الحمى؛ يوشك أن يقع فيه)، خصوصًا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه.


ولعلك تتأمل فتجد، أن النص هنا لم يكتفي فقط بالزجر والمنع، وإنما بالغ في تصوير الجريمة بأوصاف رادعة للنفس، يجعلها تخجل من التفكير في هذا الأمر بعدما استقر في مكنونها الداخلي الوصف المستنكر "فاحشة" و"ساء سبيلًا"، فهو فاحشة؛ أي إثم يُستفحش في الشرع والعقل والفطر؛ لتضمنه الاجتراء على حق الله، وحق الأهل والزوج، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، و"ساء سبيلًا"؛ أي بئس الطريق الذي يسلكه العبد من تجرأ على هذا الذنب العظيم.


ثم يأخذ القرآن النفس البشرية إلى وادٍ آخر من أودية الزجر وبناء العفة، فنراه يقرنه في هذه المرة بكبائر الإثم التي استقر في النفس المؤمنة حرمتها، وتغليظ الشرع لعقوبتها، ليجعل ذلك كله في آية واحدة، والجميع على مسافة واحدة من أمر عظيم وخطب جلل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا*يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 69-68].


فأية علاقة هذه التي تربط ما بين الشرك والقتل والزنا؟ يقول سيد قطب رحمة الله في الظلال: (توحيد الله أساس هذه العقيدة، ومفرق الطريق بين الوضوح والاستقامة والبساطة في الاعتقاد، والغموض والالتواء والتعقيد، الذي لا يقوم على أساسه نظام صالح للحياة.


والتحرج من قتل النفس إلا بالحق؛ مفرق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة، التي تُحترم فيها الحياة الإنسانية ويُقام لها وزن، وحياة الغابات والكهوف التي لا يأمن فيها على نفسه أحد ولا يطمئن إلى عمل أو بناء.


والتحرج من الزنا؛ هو مفرق الطريق بين الحياة النظيفة، التي يشعر فيها الإنسان بارتفاعه عن الحس الحيواني الغليظ، ويحس بأن لالتقائه بالجنس الآخر هدفًا أسمى من إرواء سعار اللحم والدم، والحياة الهابطة الغليظة التي لا همَّ للذكران والإناث فيها إلا إرضاء ذلك السعار.


ومن أجل أن هذه الصفات الثلاثة مفرق الطريق بين الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله؛ والحياة الرخيصة الغليظة الهابطة إلى درك الحيوان، من أجل ذلك؛ ذكرها الله في سمات عباد الرحمن، أرفع الخلق عند الله، وأكرمهم على الله، وعقَّب عليها بالتهديد الشديد) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (5/332)].


وإذا كان الوضوح والصراحة المطلقة تأخذ بتلابيب النفس الأبية، إلى مراد الله عز وجل، وإلى حيث النجاة إلى بر الأمان، فإن نفوسًا أخرى قد تحتاج إلى تصاوير فنية جمالية تبرز لها مدى الدركات التي تهبط إليها النفوس اللاهثة وراء المتعة الرخيصة.


فتأتي الصورة المناسبة لهذه النفس في ظلال قصة يوسف عليه السلام، في مقابلة بين العفة في صورتها العالية، والرذيلة في صورتها الوضيعة، بين نفس غارقة في بحور اللذة المحرمة، أرخصت نفسها من أجل شهوتها؛ فتلقفتها الألسن الهامسة في المجالس والمنديات، ونفس تعالت عن صراخ الجنس المحرم؛ فسمت بروحها فوق النداء الرخيص؛ فكبرت وسمت في أعين الجميع.


يقول تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ...}، {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ...}، {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 23 وما بعدها].


فهذه المقاطع بمفردها من القصة منهج تربوي فريد، فهي تفصح بخطاب رقيق عفيف عن حال امرأة متهاوية، وكيف استبد بها حالها؛ فكانت في هذه الصورة من الضلال المبين التي تعافها النفس الكريمة، وتنجذب في غير ما عناء إلى هذا الشاب العفيف الذي هو من عباد الله المخلصين.


وفي تطواف سريع، يأخذ المنهج القرآني النفس البشرية إلى صورة جمالية أخرى، نموذج باهر في العفة، من فتاة صالحة تمنت أن تكون في عداد الموتى منسية لا تخطر على بال أحد من البشر، ولا يظن ظانٌّ في عفتها شيئًا مريبًا، أو ينظر إليها حتى نظرة استنكار وعتاب، إنها مريم بنت عمران عليها السلام، والتي بين طيات قصتها تلمح توجيهًا ربانيًّا ساميًا يتسلل إلى النفس المرهفة البالغة الحساسية التي لا تحتاج إلى عصا غليظة، ولكن همسات حانية وتلميحات بعيدة.


{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}، {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا}، {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 17 وما بعدها].


فهذه الفتاة التي نشأت على العفة والطهارة، يصورها القرآن في صورة معاكسة تمامًا لزوجة العزيز، فصورها في الخلوة وقد استعصمت بالرحمن لما وجدت نفسها ومن تصورته بشرًا في مكان منفرد بعيدًا عن أعين الناس، وذكَّرته بالله خوفًا من الوقوع في الإثم.


ثم صورها ثانية وهي تجادله مستنكرة وجود الولد وليست بذات زوج، ولا يُتصور منها الفجور والرذيلة على أي حال، ثم الصورة الثالثة ذات المغزى والمعنى الكبير عند الساعة المحتومة، عند مجيء نبي الله عيسى عليه السلام، عندما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة؛ انتبذت منهم مكانًا بعيدًا عنهم، لئلا تراهم ولا يروها، وتمنت الموت استحياء من الناس؛ لأنها عرفت أنها ستُبتلى وتُمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون قد باعت عفتها، ولطخت مسيرة أسرتها التي عرفها القوم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28].


فإذا كان هذا حال مريم وقد رأت في الموت غنيمة تغنيها عن نظرات الريبة وهمسات الناس من حولها، وهي العفيفة الشريفة المستجيبة والخاضعة لأمر الله، فهل يتصور أن تقدم الحرة على هذا الفعل البغيض المستنكر؟! حاشاها ذلك وهي تجد في مريم مضرب الأمثال في القرآن: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12].


وصورة أخيرة يعرضها كتاب رب البرية لنموذج أراد في عفه، وطلب في أدب، ورغب دون انحطاط إلى دركات لا تليق بنفس بشرية، إنهن بنات شعيب عليه السلام، والذي جاء في حقهن من كتابنا العزيز: {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ}، {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 23 وما بعدها].


وهنا ومن خلال سياق القصة يصحح المنهج القرآني ما قد يلتبس في الأذهان عن العفة، ويرقد على غير أسس سليمة وقواعد متينة، فليس المقصود بالعفة أن تعجز المرأة وتتكاسل، حين الضرورة، ولكن إذا كان {أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ومن سبيل إلا الخروج؛ فلا يسقون ويزاحمون {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ}، فلا اختلاط مشين، ولا خروج من غير حاجة.


ثم هو الكلام في أدب يستحق أن يكون مادة للتعبد ويُتلى إلى يوم الدين: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} لتوجه نداء لذلك الرجل صاحب الفضل على لسان أبوها: {أَبِي يَدْعُوكَ}؛ لأن المرأة العفيفة لا تدعو الرجال على أي حال كي لا تكون محلًّا للطمع من قلوب ضعيفة، وأنفس مريضة.


وفي لمحة فريدة لا تهتك ستر العفة والحياء، تلفت الفتاة نظر الأب إلى جميل خصال هذا الرجل، الذي قد ترغب فيه النفس وتتمناه، نعم؛ ولكن بغير ما تبذل {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ}.


إن قصة هذه الفتاة مع كليم الله موسى نموذج بديع لامرأة اضطرتها أوضاعها إلى الخروج من بيتها، والعمل في مكان يملئه الرجال، ثم وجدت نفسها في حال دعوة رجل إلى بيت أبيها، وهي تمني نفسها بقوي أمين مثله، ورغم هذه المغريات جميعها، ومع هذا التطواف والتجوال؛ فما تزحزح عن رأسها تاج العفة.


ومع هذه التوجيهات التربوية والنفسية، لم يخلو المنهج القرآني من إرشادات عملية تتوج تلكم التوجيهات وتزينها، حيث يأتي النداء العلوي ليقرن المؤمنات العفيفات الطاهرات بأمهات المؤمنين، وبنات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.


ومن هذه التي تتأبى على نداء تشارك فيه حفصة وعائشة وزينب رضي الله عنهنَّ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، فالحجاب تاج العفيفة الطاهرة الذي يميزها عن غيرها من الباحثات عن المتع الرخيصة.


وينسجم هذا النداء والتوجيه العملي مع الأمر القرآني: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...} [النور: 31]؛ الداعي إلى غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات، ليبرز الفكرة السائدة في منهج التربية القرآنية في تضييق فرص الغواية، وإبعاد عوامل الفتنة، وقطع الطريق على أسباب التهييج والإثارة لإفساح المجال أمام صرح العفة والطهارة.


إن هذا العرض الباهر لعوامل التحصين التربوية والنفسية، مع هذه الضمانات العملية الواقية؛ تدفعنا إلى محاولة الاقتباس المتقن من هذا العرض ليتناسب مع حال فتياتنا، وهنَّ جد مختلفات في الميول والطبائع النفسية، وقد تحتاج كل واحدة منهنَّ إلى قبسة مغايرة عن الأخرى من فيض هذا الوحي والنور الإلهي لتستقيم على درب العفة.
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11/06/2009, 12:31 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
الغيرة ليست كلها مذمومة

الغيرة ليست كلها مذمومة





الكلام عن الغيرة يتسع ويطول، ولكن الكلام العلمي عنها قليل، وفي هذه السطور نريد أن نناقش مداخل محددة؛ مثل: هل الغيرة خُلُق محمود؟ أم أنها شر كلها؟ أم أن هناك أنواعًا مختلفة منها؟ وما هو الوجه المقبول والمعتدل من الغيرة؟ وماذا يقول الشرع الإسلامي في هذا الموضوع؟


يقول النبي صلى عليه وسلم: (من الغيرة ما يحب اللَّـه ومنها ما يبغضه اللَّـه، فأما التي يحبها اللَّـه فالغيرة في الريبة، وأما ما يبغضها اللَّـه فالغيرة في غير ريبة) [رواه البيهقي في شعب الإيمان، (10391)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (5905)].


والغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب؛ بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، وبالتالي؛ فالغيرة المشروعة من جانب الرجل، هي ما كانت بسبب مشاركة الرجال الأجانب له فيما به اختصاصه من زوجه، وعلى ذلك ليست رؤية الأجانب لوجهها وكفيها أو محادثتها بالمعروف مما لا تنفك عنه الحياة الاجتماعية مما به اختصاص الزوج.


ومثال الغيرة المحمودة وهي التي كانت في ريبة، ما قاله سعد بن عبادة لرسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللَّـه لو وجدت مع أهلي رجلًا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: (نعم)، قال سعد: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك، فقال رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم؛ إنه لغيور، وأنا أغير منه، واللَّـه أغير مني) [رواه مسلم، (3836)]، والغيرة هنا في تصور لحال ريبة؛ لذا كانت محمودة، لكنها زادت عن الحد، إذ دفعت سعد إلى قول ما لا ينبغي أن يُقال.


وربما تدفع غيره إلى فعل ما لا ينبغي، وهو قتل الزاني، بينما الإسلام وضع ضوابط لا تبيح قتل الزاني دون أربعة شهود، فهناك الملاعنة سبيلًا لفض العلاقة الزوجية مع خيانة لم يأتِ معها الزوج بأربعة شهداء، ولا ينفرد الزوج بالقتل حفظًا للدماء أن تضيع بسوء فهم أو لبس.


وكذلك يحمد كل زوج وزوجة إذا كانت منهما غيرة في ريبة وقعت من الطرف الآخر؛ ليتم تقويم السلوك، واجتناب مواضع الريب قبل أن يؤدي ذلك إلى ما لا تُحمد عقباه.


أما الغيرة المذمومة؛ وهي ما كانت في غير ريبة، ومثالها ما حدث فيما روته السيدة عائشة رضي اللَّـه عنها، حينما كانت ليلتها التي يبيت عندها رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدًا.


فجعلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: (ما لك يا عائش، حشيا رابية)، قالت: قلت لا شيء، قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير).


قالت: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته؛ قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي)، قلت: نعم ... قال: (فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) [رواه مسلم، (2301)].


وكذلك ما رُوي عن خروج أحد الفتيان مع رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، وكان حديث الزواج يستأذن رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم في أوساط النهار ليرجع إلى أهله، فقال له رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: (خذ عليك سلاحك؛ فإني أخشى عليك قريظة) ففعل، فحينما وصل بيته؛ وجد امرأته واقفة بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح [رواه مسلم، (5976)]، ومن هذا الأثر نتبين أن الغيرة لا تعني سوء الظن بالصاحب.


والغيرة الزائدة، وهي التي تزيد عن حد الاعتدال، يجب أن يتم الترفق في معالجة آثارها وينبغي أيضًا اجتناب مثيراتها، هذا من جانب الصاحب المعافى، أما الطرف المُبتلى فعليه أن يبذل جهده في ضبط مشاعره قدر الإمكان، كما أن عليه ضبط سلوكه حتى لا يصدر فيه ما يخالف الشرع.


ومن أمثلة الغيرة الزائدة والتي روتها كتب السنَّة والسيرة والتاريخ، أن زوجة لعمر بن الخطاب كانت تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال ابن عمر: يمنعه قول رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء اللَّـه مساجد اللَّـه) [رواه البخاري، (900)].


وهنا نلمس ضبط عمر لغيرته الزائدة فلم يمنع زوجته من الذهاب للمسجد؛ التزامًا منه بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه.


وفي السنَّة أيضًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم، إذ رأيتني في الجنة، فإذا امرأة توضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرة عمر؛ فوليت مدبرًا) [متفق عليه، رواه البخاري، (7023)، ومسلم، (6353)]، والغيرة هنا لا علاقة لها بزوجة عمر، ولكن من علم من صاحبه خلقًا لا ينبغي أن يتعرض لما ينافره، فالحديث يبين كيف راعى رسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم غيرة عمر الزائدة، فولَّى مدبرًا، كما يبين كيف تغلب إجلال عمر لرسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم على غيرته الزائدة.


وكانت أسماء بنت أبي بكر تنقل النوى من أرض الزبير، فلقيها الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأناخ لها البعير كي تركب، وكان معه نفر من الصحابة؛ فاستحت أسماء أن تسير مع الرجال، وتذكرت الزبير وغيرته فاعتذرت لرسول اللَّـه صلى الله عليه وسلم، وحينما عادت أخبرت الزبير بالواقعة؛ فقال: (واللَّـه لحملك النوى أشد علي من ركوبك معه) [رواه البخاري، (5224)]، فنلحظ هنا كيف تحملت أسماء المشقة مراعاة لغيرة زوجها الزائدة، كما نلحظ أن مروءة ابن الزبير كادت أن تتغلب على غيرته الزائدة، أي أنه يقصد أن ركوبها كان أخف مما تحقق من تبذلها بحمل النوى على رأسها من مكان بعيد.


ومرة أخرى جاء رجل إلى أسماء بنت أبي بكر، فقال: إني رجل فقير أردت أن أبيع بجوار دارك فقالت له: إني إن أذنت لك رفض ذلك الزبير، فتعالَ فاطلب مني ذلك والزبير موجود، فجاء ففعل، فقالت: ألم تجد بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: (مالك أن تمنعي رجلًا فقيرًا يبيع) [رواه مسلم، (5822)].


وهنا نرى أن أسماء استعملت الحيلة لمعالجة غيرة زوجها، ونرى الزبير في نفس الوقت يغلِّب حب عمل المعروف على مشاعر الغيرة.


والغيرة التي يمكن أن يُغَض الطرف عنها هي الصغائر والهفوات التي تصدر من صاحبها ما لم يفعل حرامًا، ولها أمثلة؛ منها: غيرة الزوجة من الزوجة السابقة، والسيدة عائشة كانت تقول: (ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها؛ ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها) [رواه البخاري، (3818)].


ومرة ذبح شاة وقطعها وبعثها صدقة على خديجة، فقالت له عائشة: (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة)، فيقول: (إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) [رواه البخاري، (3818)]، وفي مرة أخرى قالت: (ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك اللَّـه خيرًا منها تحفة) [رواه البخاري، (3821)]؛ وهنا عذر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وتغاضى عما قالته في حق خديجة.


ومن الغيرة المعذورة أيضًا غيرة المرأة من ضرتها، ومن أمثلتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند إحدى زوجاته، فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين بطبق فيه طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقط الطبق فانفلق، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم القطع، وأتى بطبق من عند التي هو في بيتها فدفعها للخادم، وقال: (غارت أمكم) [رواه البخاري، (5225)]، وهنا ألزمت الغيرة بضمان ما أتلفته، ولم يزد الرسول صلى الله عليه وسلم عن قوله: (غارت أمكم)، ومن أمثلة الغيرة التي يُعذر صاحبها أيضًا غيرة المرأة من شروع زوجها في خطبة أخرى.
اضافة رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11/06/2009, 12:36 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
الألباني ... المحدث الثقة والعالم الرباني

الألباني ... المحدث الثقة والعالم الرباني




الألباني مجدد أعاد سيرة علماء الحديث، فصار بحق محدث عصره، وضرب أروع الأمثلة في العالم الرباني الورع التقي.


المولد والنشأة:


ولد الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني عام 1333هـ/1914م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا حينئذ عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، فكان والده مرجعًا للناس يعلمهم ويرشدهم.


كان والده قد درس الشريعة في إسطنبول وعاد إلى بلده ألبانيا، وأصبح أحد كبار علماء المذهب الحنفي هنالك، لكنه اختلف مع توجهات الملك أحمد زوغو الغربية العلمانية، فهاجر هو وأسرته إلى دمشق ومعه ابنه محمد.


مراحل حياته:


هاجر الألباني رحمه الله بصحبة والده إلى دمشق ببلاد الشام للإقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو ملك ألبانيا ببلاده نحو الحضارة الغربية العلمانية، وفي دمشق أتم العلامة الألباني دراسته الابتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق.


ونظرًا لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجًا علميًّا مركزًا قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، والتجويد والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، وقد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة، وكان حريصًا على حضور دروس وندوات العلامة بهجة البيطار.


أخذ الشيخ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهرة فيها، وأخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنة وقتًا جيدًا للمطالعة والدراسة، وهيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية والاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية.


توجهه إلى علم الحديث:


وبالرغم من توجيه والده له بتقليد المذهب الحنفي، إلا أن شغف البحث عن الدليل لم يتوقف عند الشيخ رحمه الله، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره، متأثرًا بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وكان أول مؤلف حديثي له هو نسخ كتاب "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي رحمه الله مع التعليق عليه.


ولم يكن ذلك العمل إلا قطرة مطر تبعها سيل من اجتهاد الشيخ في تعلم الحديث والذي جعله شغله الشاغل حتى أصبح معروفًا بذلك في الأوساط العملية بدمشق، لدرجة جعلت المكتبة الظاهرية بدمشق تخصص غرفة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة ليدخلها وقت ما شاء.


ولما امتلأ إناء علم الحديث في عقل الشيخ وقلبه، بدأ يفيض على الأمة بالتأليف والتصنيف، والذي ابتدأه في العقد الثاني من عمره، وكانت أول مؤلفاته كتاب "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"، ومن أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية كتاب "الروض النضير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير".


جهوده الدعوية:


وزادت مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من عمق الفهم الشرعي للشيخ الألباني، حتى أصبح راية الدعوة إلى التوحيد والسنَّة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق وجرت بينه وبينهم مناقشات حول مسائل التوحيد والاتباع والتعصب المذهبي والبدع، إلا أنه لقي معارضة شديدة من كثير من متعصبي المذاهب ومشايخ الصوفية والخرافيين والمبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة والغوغاء ويشيعون عنه بأنه "ضال" ويحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم والدين في دمشق، والذين حضوه على الاستمرار قدمًا في دعوته ومنهم، العلامة بهجت البيطار، والشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، والشيخ توفيق البزرة، وغيرهم من أهل الفضل والصلاح رحمهم الله.


وقد نشط الشيخ في دعوته من خلال عدة أبواب للدعوة وتبليغ دين الله عز وجل والشريعة والعقيدة السليمة، ومن أهم تلك الأبواب:


1. دروسه العلمية التي كان يعقدها مرتين كل أسبوع حيث يحضرها طلبة العلم وبعض أساتذة الجامعات ومن الكتب التي كان يدرسها في حلقات علمية:


أ‌. فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.


ب‌. الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني، شرح صديق حسن خان.


ت‌. أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.


ث‌. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، شرح أحمد شاكر.


ج‌. منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد.


ح‌. فقه السنه لسيد سابق.


2. رحلاته الشهرية المنتظمة التي بدأت بأسبوع واحد من كل شهر ثم زادت مدتها حيث كان يقوم فيها بزيارة المحافظات السورية المختلفة، بالإضافة إلى بعض المناطق في المملكة الأردنية قبل استقراره فيها مؤخرًا.


منهجه في البحث والتخريج:


لقد ظل علم الحديث متوقفًا بعد جيل المحدثين الأولين اللهم إلا بعض المحاولات الجادة من الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، ولكن العلماء القدامى وبعضًا من المحدثين كانوا قد بذلوا جهودًا كبيرة في تدوين الحديث الشريف حتى أُلفت الكتب في صحيحه وضعيفه ومكذوبه ودُونت كل صغيرة وكبيرة عن رجاله، حتى وصل الأمر إلى الاعتقاد بأن البحث في علوم الحديث قد اكتمل بحيث لم يعد لباحث فضل زيادة فيه.


ولكن الشيخ الألباني استطاع أن يؤسس مدرسة جديدة في علم الحديث، كان أهم معالمها تنقية السنَّة الشريفة مما يعرف عند علماء الحديث بالمردود ـ الأحاديث المكذوبة والضعيفة ـ وألَّف كتبًا خصصها للأحاديث الصحيحة، وأخرى للأحاديث الموضوعة والضعيفة، وعزل الصحاح عن الضعاف في كتب السنن وغيرها، وخرَّج أحاديث بعض كتب الحديث، وألف كتبًا أو رسائل في تخريج بعض الأحاديث، ونقد نصوصًا حديثية في الثقافة الإسلامية، ودافع عن الحديث النبوي والسيرة بالرد على من ألفوا فيها، وألف في بعض المسائل مستندًا إلى الأحاديث الصحيحة، إلى غير ذلك من جهوده العلمية المميزة التي جعلته مدرسة حديثة في الدراسات الحديثية تذكِّر بجهود السلف في هذا العلم الذي يأتي بعد القرآن الكريم.


لقد ألَّف الشيخ أو حقق مائة كتاب في علم الحديث، طُبع منها ما يقارب "70" كتابًا بين كبير في مجلدات وصغير في وريقات، ويجمعها كلها أنها جعلت الشيخ مدرسة حديثية واستحق أن يُطلق عليه محدِّث العصر، الذي لا يستغني باحث في هذه الأيام عن الرجوع إلى آرائه في تضعيف حديث أو تصحيحه، بل إن الباحثين يكتفون برأيه عن الرجوع إلى كتب الحديث الموثوقة لما وصل إليه الشيخ من ثقة به في هذا الفن.


وكان للشيخ رحمه الله منهجًا واضحًا دقيقًا في دراسة كل حديث خاصة في كتابيه سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة؛ حيث يعطي حكمًا دقيقًا واضحًا في درجة الحديث، ثم يفصل ذلك بمنهج علمي فريد.


المناصب التي تقلدها والفعاليات التي شارك فيها:


لقد كان للشيخ جهود علمية وخدمات عديدة منها:


1. اختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955م.


2. اختير عضوًا في لجنة الحديث، التي شُكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا، للإشراف على نشر كتب السنَّة وتحقيقها.


3. طلبت إليه الجامعة السلفية في بنارس "الهند" أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك لصعوبة اصطحاب الأهل والأولاد؛ بسبب الحرب بين الهند وباكستان آنذاك.



4. طلب إليه معالي وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ عام 1388هـ، أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة، وقد حالت الظروف دون تحقيق ذلك.


5. اختير عضوًا للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395هـ إلى 1398هـ.


6. لبى دعوة من اتحاد الطلبة المسلمين في أسبانيا، وألقى محاضرة مهمة طُبعت فيما بعد بعنوان "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام".


7. زار قطر وألقى فيها محاضرة بعنوان "منزلة السنَّة في الإسلام".


8. انتدب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء للدعوة في مصر والمغرب وبريطانيا لنشر التوحيد والاعتصام بالكتاب والسنَّة والمنهج الإسلامي الحق.


9. دعي إلى عدة مؤتمرات، حضر بعضها واعتذر عن كثير بسبب انشغالاته العلمية الكثيرة.


10. زار الكويت والإمارات وألقى فيهما محاضرات عديدة، وزار أيضًا عددًا من دول أوروبا، والتقى فيها الجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين، وألقى دروسًا علمية مفيدة.


11. حصل على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1419هـ/1999م، وموضوعها "الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقًا وتخريجًا ودراسة"؛ تقديرًا لجهوده القيمة في خدمة الحديث النبوي تخريجًا وتحقيقًا ودراسة وذلك في كتبه التي تربو على المائة.


مؤلفاته وإنتاجه العلمي:


حيث ألف ما يناهز الثلاثمائة كتاب ومؤلف أثرت المكتبة الإسلامية، وأنارت طريق العلم والشريعة إلى الأمة الإسلامية في مشرق الأرض ومغاربها، ومن أهمها:


1. سلسلة الأحاديث الصحيحة.


2. سلسلة الأحاديث الضعيفة.


3. صحيح وضعيف الترغيب والترهيب.


4. تبويب وترتيب أحاديث الجامع الصغير وزيادته على أبواب الفقه.


5. صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته.


6. التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان.


7. إرواء الغليل في تخرج أحاديث منار السبيل.


8. صحيح الأدب المفرد.


9. ضعيف الأدب المفرد.


10. تمام المنة في التعليق على فقه السنَّة.


11. الثمر المستطاب في فقه السنَّة والكتاب.


12. التوحيد أولًا يا دعــاة الإسلام.


13. فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.


14. صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.


15. فتنة التكفير.


16. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.


17. شرح العقيدة الطحاوية.


18. تحقيق مختصر العلو للعلي الغفار لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.


19. جلباب المرأة المسلمة.


20. تحريم آلات الطرب.


21. أحكام الجنائز.


ثناء العلماء عليه:


وقد أثنى ثلة عظيمة من العلماء على الشيخ الألباني رحمه الله، ومن ذلك ما قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني)، وسُئل سماحته عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [رواه أبو داود، (4293)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4291)]، فسئل من مجدد هذا القرن، فقال: (الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني والله أعلم).


وقال عنه الفقيه العلامة الإمام محمد صالح العثيمين: (فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به وهو قليل، أنه حريص جدًّا على العمل بالسنَّة، ومحاربة البدعة، سواء أكان في العقيدة أم في العمل، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك، وأنه ذو علم جم في الحديث، رواية ودراية، وأن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيرًا من الناس، من حيث العلم ومن حيث المنهاج والاتجاه إلى علم الحديث، وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين ولله الحمد، أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية فناهيك به).


وكذلك كانت له المكانة العظيمة عند العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي، يحكي عنها الشيخ عبد العزيز الهده، فيقول: (إن العلامه الشنقيطي يجل الشيخ الألباني إجلالًا غريبًا، حتى إذا رآه مارًّا وهو في درسه في الحرم المدني يقطع درسه قائمًا ومسلِّمًا عليه إجلالًا له).


وقال الشيخ مقبل الوادعي عنه: (والذي أعتقده وأدين لله به أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله من المجددين الذين يصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) [رواه أبو داود، (4293)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4291)].


وصيته الأخيرة قبل وفاته:


وجاء في وصيته التي كتبها 27 جمادى الأول 1410هـ ما يلي:


(أوصي زوجتي وأولادي وأصدقائي وكل محب لي إذا بلغه وفاتي أن يدعو لي بالمغفرة والرحمة أولًا وألَّا يبكون عليَّ نياحة أو صوت مرتفع.


وثانيًا: أن يعجلوا بدفني، ولا يخبروا من أقاربي وإخواني إلا بقدر ما يحصل بهم واجب تجهيزي، وأن يتولى غسلي "عزت خضر أبو عبد الله" جاري وصديقي المخلص، ومن يختاره هو لإعانته على ذلك.


وثالثًا: أختار الدفن في أقرب مكان، لكي لا يضطر من يحمل جنازتي إلى وضعها في السيارة، وبالتالي يركب المشيعون سياراتهم، وأن يكون القبر في مقبرة قديمة يغلب على الظن أنها سوف لا تنبش.


وعلى من كان في البلد الذي أموت فيه ألا يخبروا من كان خارجها من أولادي فضلًا عن غيرهم إلا بعد تشييعي، حتى لا تتغلب العواطف، وتعمل عملها، فيكون ذلك سببًا لتأخير جنازتي. سائلًا المولى أن ألقاه وقد غفر لي ذنوبي ما قدمت وما أخرت.


وأوصي بمكتبتي كلها سواءً ما كان منها مطبوعًا، أو تصويرًا، أو مخطوطًا بخطي أو بخط غيري لمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة؛ لأن لي فيها ذكريات حسنة في الدعوة للكتاب والسنَّة، وعلى منهج السلف الصالح يوم كنت مدرسًا فيها.


راجيًا من الله تعالى أن ينفع بها روادها، كما نفع بصاحبها يومئذ طلابها، وأن ينفعني بهم وبإخلاصهم ودعواتهم، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين).


وفاته:


توفي العلامة الألباني قبيل يوم السبت في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة 1420هـ، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م، ودُفن بعد صلاة العشاء، وقد عُجل بدفن الشيخ لأمرين اثنين:


الأول: تنفيذ وصيته كما أمر.


الثاني: الأيام التي مر بها موت الشيخ رحمه الله والتي تلت هذه الأيام كانت شديدة الحرارة، فخشي أنه لو تأخر بدفنه أن يقع بعض الأضرار أو المفاسد على الناس الذين يأتون لتشييع جنازته رحمه الله فلذلك أوثر أن يكون دفنه سريعًا.


وبالرغم من عدم إعلام أحد عن وفاة الشيخ إلا المقربين منهم حتى يعينوا على تجهيزه ودفنه، بالإضافه إلى قصر الفترة ما بين وفاة الشيخ ودفنه، إلا أن الآف المصلين قد حضروا صلاة جنازته حيث تداعى الناس بأن يعلم كل منهم أخاه، فرحمة الله على الشيخ الألباني محدث عصره.
اضافة رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11/06/2009, 12:43 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
الإمام الشافعي ... منارة غزة تضيء الآفاق


إنها منارة من أرض غزة الأبية، زاد نورها من قبس مكة المكرمة، وازداد وهجها من نور المدينة المنورة الشريفة، فسطع في كل أرجاء الدنيا علمًا وورعًا وتقوى وخلقًا.


نسبه ونشأته:


هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، ينتهي نسبه في جده السابع إلى هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وجده المطلب هو الذي ربى هاشمًا جد النبي صلى الله عليه وسلم.


ولد الإمام الشافعي في غزة بفلسطين في القبائل اليمنية التي كانت تقطن هناك عام 150هـ، ويشاء الله عز وجل أن تكون نفس السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وعندما بلغ سنته الثانية توفي والده، فرحلت أمه به إلى مكة، وتجمع الروايات على أنه عاش عيشة اليتيم الفقير الذي يحس بشرف أصله وعلو نسبه.


يقول في ذلك محمد أبو زهرة رحمه الله: (إن الشافعي في نشأته الأولى عاش عيشة اليتامى الفقراء مع نسب رفيع، وإن النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يتجه في أول عمره إلى المعالي بمتقضى نسبه ما لم يكن فيه شذوذ، أو في تربيته انحراف، ولم يكن أحدهما في الشافعي، بل كانت ذات التنشئة تتجه به إلى السمو والرفعة من تلقاء نفسها، وإن الفقر مع هذ العلو النسبي يجعله قريبًا من الناس يحس بإحساسهم، ويندمج في أوساطهم، ويتعرف دخائل المجتمع ويستشعر مشاعره) [محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، ص(249)].


مراحل حياته:


رحل الشافعي إلى البادية، خاصة إلى قبيلة هذيل؛ ليقوم لسانه ولينأى عن اللحن والعجمة التي غزت الأمصار، ويحكي عن ذلك فيقول: (فلزمت هذيلًا في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب فبقيت فيهم أرتحل برحلتهم وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)].


ولما عاد رحمه الله إلى مكة، تعلم على يد أحد شيوخها، وهو مسلم بن خالد، والذي قال له وهو شاب، سنه خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة: (قد آن لك أن تفتي يا أبا عبد الله) [ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض، (1/139)]، ولكنه آثر أن يرتحل إلى بقعة هي من أقدس بقاع الأرض، وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ويومها تذكر حين مر به رجل من بني عثمان من الزبيريين، فقال يا: (أبا عبد الله، عزَّ عليَّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه؛ فتكون قد سدت أهل زمانك)، قال: (فقلت: ومن بقي يُقصد إليه)، فقال لي: (هذا مالك بن أنس) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)].


اللقاء الأول مع الإمام مالك:


ذهب الفتى المكي وهو على أتم الاستعداد للقاء الإمام مالك، والتتلمذ على يديه، حيث يقول: (عدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال) [الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، (1/125)]، وحفظه وهو ابن عشر سنين، وفي ذلك يقول: (حفظت القرآن وأنا ابن سبع، وقرأت الموطأ وأنا ابن عشر سنين) [الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/222)].


ولكن اللقاء لم يكن بهذه السهولة، ونترك المجال له رحمه الله ليحكي عن قصة اللقاء الأول بين قامتين سامقتين من علماء الأمة فيقول: (دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، قال فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأه قال: والله يا فتى إن أمشـي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيًا راجلًا أهون علي من المشي إلى باب مالك بن أنس؛ فإني لست أرى الذل حتى أقف على بابه.


ثم انطلقا فتقدم رجل فقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام، ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف، فقال لها: قولي له معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة.


قال: فدخلت ثم خرجت وفي يدها كرسي فوضعت، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طوال مسنون اللحية ـ أي طويلها ـ فدفع الوالي الكتاب من يده، ثم قال مالك رحمه الله: يا سبحان الله وصار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالرسائل.


قال الشافعي: فرأيت الوالي وقد تهيبه أن يكلمه فتقدمت إليه، فقلت له: أصلحك الله إني رجل مطلبي ومن حالي ومن قصتي فلما أن سمع كلامي نظر إلي ساعة، وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن.


ثم قال: نعم وكرامة، إذا كان غدًا تجيء ويجيء من يقرأ لك الموطأ، قال فقلت: فإني أقوم بالقراءة، قال: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأه ظاهرًا والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأريد أن أقطع القراءة، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، يقول لي: بالله يا فتى زد، حتى قرأته في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك بن أنس) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285-286)].


الإمام الشافعي واليًا:


وبعد وفاة الإمام مالك، قدم والي اليمن إلى الحجاز، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، ويحدثنا الإمام رحمه الله عن حالته المعيشية آنذاك فيقول: (ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به فرهنت دارها على ستة عشر دينارًا ودفعتها إلي فتحملت بها مع والي اليمن) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/281-282)]، ثم عمل واليًا على نجران في عصر هارون الرشيد.


وكان أول ما فعل رفع المظالم عن أهل نجران، ويقول عن ذلك: (فرفع إلي الناس مظالم كثيرة فجمعتهم وقلت لهم اختاروا لي سبعة منكم من عدلوه كان عدلًا مرضيًّا ومن جرحوه كان مجروحًا قصيًّا فاختاروا لي منهم سبعة، فجلست وأجلست السبعة بالقرب مني فكلما شهد عندي شاهد بعثت إلى السبعة فإن عدلوه كان عدلًا وإن جرحوه كان مجروحًا، فلم أزل أفعل ذلك حتى أتيت على جميع من تظلم إلي فكنت أكتب وأسجل) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/283)].


وفي هذه الفترة التي قضاها الشافعي في هذا العمل برزت في حياته صفاتان، وهما:


1. نبوغه وذكاؤه وعلمه، وحصافته في إدارة الأعمال وتسيير شئونها.

2. عدله الذي لا يعرف الشفاعة أو الوساطة وخشيته لله في ولايته التي لا تعرف الجور ولا تميل عن الحق، حتى أن والي اليمن بعث إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين قائلًا: (... وههنا رجل من ولد شافع بن المطلب لا أمر لي معه ولا نهي) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/286)].


مؤلفاته وتلامذته:


ثم ترك الولاية وأخذ في الاشتغال بالعلوم، ورحل إلى العراق وناظر محمد بن الحسن وغيرَه؛ ونشر علم الحديث ومذهب أهله، ونصر السنة وشاع ذكره وفضله وطلب منه عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث في عصره أن يصنَّف كتابًا في أصول الفقه فصنَّف كتاب الرسالة، وهو أول كتاب صنف في أصول الفقه.


وصنف في العراق كتابه القديم ويسمى كتاب الحجة، ويرويه عنه أربعة من جلِّ أصحابه، وهم أحمد بن حنبل، أبو ثور، الزعفراني والكرابيسي.


ثم خرج إلى مصر سنة تسعة وتسعين ومائة ـ وقيل سنة مائتين ـ واشتغل في طلب العلم وتدريسه، وفوجىء بكتاب اسمه "الكشكول" لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقرأ فيه العديد من الأحاديث النبوية التي رواها عبد الله ودوَّنها، وبناءً عليه غيَّر الشافعي الكثير من أحكامه الفقهية وفتاواه لما اكتشفه في هذا الكتاب من أحكام قطعت الشك باليقين أو غيرت وجهة أحكامه، حتى أنه حينما يسأل شخص عن حكم أو فتوى للإمام الشافعي يقال له: هل تسأل عن الشافعي القديم (أي مذهبه حينما كان في العراق)، أم مذهب الشافعي الحديث (أي الذي كان بمصـر).


كما صنَّف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره في البلدان، وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي لأخذ العلم عنه وسماع كتبه الجديدة وأخذها عنه، وساد أهل مصـر وغيرهم وابتكر كتبًا لم يسبق إليها منه أصول الفقه، ومنها كتاب القسامة، وكتاب الجزية، وقتال أهل البغي وغيرها.


وأشهر تلامذته الإمام البويطي يوسف بن يحيى، والإمام إسماعيل بن يحيى المزني، والإمام الربيع بن سليمان المرادي، وحرملة بن يحيى.


عبادته وإيمانه:


فقد كان رحمه الله عابدًا لله تبارك وتعالى، فقد كان يقسم الليل ثلثًا للعلم، وثلثًا للعبادة وثلثًا للنوم، وكان له تعامل خاص مع كتاب الله، يصفه صاحب الإحياء بقوله: (وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله تعالى لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)]، وكانت قراءته للقرآن تبكي السامعين، يقول بعض جلسائه: (فإذا آتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس من بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)].


خلقه القويم:


عرف الشافعي برفعة خلقه، كما وصفه شيوخه في مكة: (فلم تعرف عنه صبوة) [مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي، (1/219)]، وكان نزيهًا في علمه وورعًا حيث يقول: (وددت أن هذا الخلق تعلموا العلم على ألا يُنسب إلي منه حرف) [طبقات الشافعي الكبرى، السبكي، (3/194)]، ويصفه شديد ورعه فيقول: (ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا) [طبقات الشافعي الكبرى، السبكي، (3/194)]، ويقول أيضًا: (من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/27)].


وكأن الشاعر قد لخص هذا الخلق القويم وتلك القيم العظيمة التي عاش بها الشافعي من حلم وكرم وبر وشكر ولين وصبر، فقال في أبيات رائعة:


إن المـكارم أخلاق مطهـرة الــدين أولهـا والعقل ثانيها


والعلم ثالثها والحلم رابعــها والجود خامسها والفضل سادسها


والبر سابعها والشـكر ثامـنها والصــبر تاسعها واللين باقيها


وفاته:


يقول الحسن بن الربيع: (توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، بعد ما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (4/73)].


ويقول ابن خلكان عن الشافعي رحمه الله: (وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/166)].


لما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/168)]، يقول فيها:


ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع


معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع


مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع


ظواهرها حكم ومستبطناتها ... لما حكم التفريق فيه جوامع


لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع


إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع


أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع


توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع


ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع


وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع


بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخشَ لبسًا مسارع


وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع


أهم المراجع:


1. تاريخ دمشق، ابن عساكر.


2. ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض.


3. الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون.


4. الوافي بالوفيات، الصفدي.


5. إحياء علوم الدين، الغزالي.


6. مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي.


7. طبقات الشافعي الكبرى، السبكي.


8. حلية الأولياء، أبو نعيم.


9. وفيات الأعيان، ابن خلكان.


10. محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة.
اضافة رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11/06/2009, 12:47 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
المحاولات التوفيقية لتأنيس الفائدة في المجتمع الإسلامي

في القرآن الكريم جاء ذم جريمة الربا، والتشنيع على مرتكبها، ربما بما لم يجئ مثله في حق جريمة أخرى؛ ففي مقابل وصف الزنا مثلًا بأنه: {فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وصف المرابين بأنهم: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275].


وجاء: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، وتوعد المرابين بأنهم إن لم يذروا ما بقي من الربا؛ فليأذنوا بحرب من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبالإضافة إلى ما ورد في القرآن جاءت الأحاديث الكثيرة بالنهي عن الربا وعن شبهته، وإنذار الفرد والمجتمع الذي يمارسه بأعظم العقوبات.


وقد وقعت أغلب بلاد العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار الأوروبي، ولما كان الاقتصاد دافعًا رئيسيًّا للاستعمار؛ كان من الطبيعي أن يرسخ الاستعمار في البلاد التي خضعت تحت نير النظام البنكي الغربي القائم على "الفائدة الربوية"؛ إذ كان هذا النظام وسيلة فعالة للتحكم في أموال العالم الإسلامي المستَعْمَر، والسيطرة على اقتصاده.


ومن البداية واجه المجتمع الإسلامي واقعًا ذا مظهرين:


أولًا: بسبب رادع تحريم الإسلام للربا، واعتباره كبيرة من كبائر الذنوب، بل من أكبرها على ما وُصف آنفًا، فقد امتنع المسلم التقي من الحصول على الفائدة الربوية عن إيداعاته؛ فحظي البنك الأجنبي ـ في الغالب ـ بالانتفاع بأموال المسلمين مجانًا، وبدون تحمله دفع أي تعويض عن استغلاله لرأس المال الإسلامي.


ثانيًا: بسبب الرادع المُشار إليه؛ امتنع المسلم التقي عن الانتفاع بالتسهيلات الائتمانية التي تمنحها البنوك، فكانت الأموال والمدخرات الإسلامية المجمعة تُضخ في الأسواق المالية الغربية، وتجري في شرايين الاقتصاد الغربي، هذا من ناحية.


ومن ناحية أخرى؛ ففي المجتمعات المختلطة بين المسلمين وغيرهم؛ كالقارة الهندية، كانت المجتمعات غير المسلمة تنفرد بالتمتع بمزايا التسهيلات الائتمانية، فيتنامى نشاطها الاقتصادي على حساب النشاط الاقتصادي للمجتمع الإسلامي.


وقد أذهلت هذه الظواهر رجال الفكر في العالم الإسلامي، فشغلتهم بالبحث عن سبيل للخروج بالمجتمع الإسلامي من ورطة هذا الواقع الأليم، إن هذا المأزق تصوره أوضح تصوير صيغ الاستفتاءات، التي كانت تنهال من الأفراد والمجتمعات الإسلامية، فيما يتعلق بهذه المشكلة وإجابات المفتين.


ولكن ربما كان من أبلغ الأمثلة في تصوير الشعور بهذا المأزق فتوى نُشرت لأحد المفتين، مضمونها أن أحاديث الربا من وضع اليهود، أدخلوها على المسلمين بقصد الإضرار بهم عن طريق تحريم التجارة عليهم؛ لتكون التجارة في يد اليهود!


إن ما جعل المشكلة تبدو مستحيلة الحل: غياب مؤسسات مصرفية لا تقوم على الربا؛ فكان يبدو ألَّا بديل للنظام المصرفي الغربي، بل لا بديل للاقتصاد الغربي، وحتى بعد ظهور الشيوعية ومشاطرة المذهب الاقتصادي الشيوعي المذهبَ الرأسمالي الغربي، كان يظهر ألَّا فرصة للعالم للخروج عن الدوران في أحد الفلكين.


ونتيجة لذلك؛ كان من الطبيعي أن يتجه الفكر الإسلامي إلى المحاولات التوفيقية بغرض تأنيس الفائدة لقبولها في المجتمع الإسلامي، ولكن كل هذه المحاولات قد فشلت في إقناع المسلم بأن يتقبل الواقع بطمأنينة الضمير وسكينة القلب، وتهدف هذه الورقة إلى إيضاح أسباب فشل تلك المحاولات التوفيقية.


لماذا فشلت المحاولات التوفيقية؟


أمام صراحة النصوص وثبوتها القطعي؛ كان من الطبيعي أن تتجه المحاولات كليًّا إلى محاولة إخراج الفائدة البنكية من مفهوم "الربا" الوارد تحريمه بصريح النص، ومع أنه لا يبدو وجود إمكانية لوسيلة أخرى بديلة لهذه الوسيلة، فإن اتجاه المحاولات إليها هو سر فشل هذه المحاولات.


توضيح ذلك؛ أن للربا مفهومًا أساسيًّا مشتركًا بين الشعوب، وفي مختلف الشرائع والعصور، وهناك بالإضافة إلى هذا المفهوم المشترك مفاهيم خاصة ببعض الشرائع كالإسلام.


لزيادة الإيضاح؛ أن القاعدة الأساسية في تحديد الحكم الشرعي الإسلامي، اعتبار نصوص القرآن والحديث الصحيح مصادر متكاملة للأحكام، فما ورد من الألفاظ مجملًا في نصوص يُرجع في تبيينه إلى النصوص الأخرى.


وقد وردت نصوص القرآن بكلمة الربا، وهذه اللفظة تتناول ـ بدون فرصة للمنازعة ـ المفهوم المشترك لهذه اللفظة؛ إذ هو المفهوم الأساسي كما تتناول المفاهيم الأخرى التي دلت عليها الأحاديث.


لزيادة الإيضاح مرة أخرى؛ أن الربا وفق المفهوم الأساسي والمشترك قد استقرت كراهيته في الضمير الإنساني، واعتُبر ممارسة غير أخلاقية.


وجاء الإسلام بنصوص الحديث، فلم تكتفِ كالشرائع الأخرى بتحريم الربا بهذا المفهوم الأساسي المشترك، وإنما وسعت من منطقة التحريم، فأدخلت في هذه المنطقة كل ما هو في الحقيقة وبحكم الحكيم الخبير وسيلة وذريعة إلى ارتكاب الربا بالمفهوم الأساسي المشترك، وسدت الطرق الموصلة إليه بحكم الحوادث الواقعية المشاهدة.


فإذا تخيلنا أن المفهوم الأساسي المشترك منطقة مركزية تحيط بها دائرة، فإن دائرة كبيرة واسعة من وراء هذه الدائرة وردت بها النصوص الثابتة، وتضم شبهة الربا ووسائله وذرائعه، قد يكون من الممكن مهاجمة نقطة في الدائرة الهامشية الكبيرة دون تأثير على أصل المفهوم الأساسي للفكرة، ولكن من غير الممكن مهاجمة نقطة في الدائرة المركزية دون تدمير للبناء؛ ولذا كان استبعاد الفائدة البنكية ـ وهي واقعة في المنطقة المركزية للدائرة ـ غير ممكن دون مساس بل إخلال بالمفهوم الكلي للفظة الربا، وفي السطور الآتية زيادة إيضاح.


روى الإمام البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحِجر؛ أهو من البيت (الكعبة)؟ فقال: (نعم)، فقالت: لماذا أخرجوه؟ فقال: (إن قومك قصرت بهم النفقة) [متفق عليه، رواه البخاري، (1584)، ومسلم، (3313)]؛ أي أن قريشًا حين هدمت الكعبة وأعادت بناءها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات تقريبًا، عجزت عن توفير المال الكافي لإعادة البناء على قواعده الأصلية؛ فصغرت مساحته، وأُخرج من البناء الجديد حِجر إسماعيل عليه السلام.


وإذا عرفنا أن مكة كانت من أكثر المدن العربية ثراء، وقد وصف الله بعض أهلها بأنه جعل له مالًا ممدودًا، ولم تكن إعادة البناء تحتاج لنفقة كبيرة إذ كانت مواد البناء متوفرة، فقد جاء في الأخبار أن مما حمل قريشًا على إعادة البناء؛ انتهاز فرصة أن البحر قذف على ساحل جدة بحطام سفينة، فكانت الأحجار والأخشاب اللازمة للبناء موجودة، إذا عرفنا هذا يأتي السؤال: لماذا عجزت قريش عن توفير النفقة القليلة للبناء؟


وجواب السؤال فيما أورده العلامة ابن كثير عند تفسير آية سورة البقرة: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127]: (فرُوي أن قريشًا تواصوا بألَّا يدخل في النفقة على بناء الكعبة من كسبهم إلا ما كان طيبًا، فلا يدخل في النفقة مهر بغي، ولا مظلمة، ولا بيع ربا) [تفسير ابن كثير، (1/437)].


وبحكم طبائع الأشياء؛ فإن مهور البغايا لا يمكن أن تمثل جزءًا مهمًّا من أموال القرشيين، وكذلك أموال المظالم، لاسيما بعد استحضار حادثة حلف الفضول؛ ولذا فإن العامل المهم في تلويث أموال القرشيين بحيث لم يمكن استخلاص جزء نظيف كافٍ منها يصلح للدخول في نفقة بناء الكعبة هو الربا، ويُؤخذ من هذه الوقائع أمران:


(الأول): شيوع الربا وسيطرته، بحيث استغرق بتلويثه أموال القرشيين، إلى درجة أنه لم يمكن توفير النفقة الكافية الضئيلة لإعادة البناء البسيط للكعبة على وضعه السابق قبل الهدم.


(الثاني): أن القرشيين مع ممارستهم للربا وشيوعه حتى استغرق أموالهم، إلى درجة أنها لم تتسع لنفقة بسيطة كنفقة بناء الكعبة، كانوا ينظرون إليه باعتباره كسبًا غير نظيف، ينبغي أن يُنزه عنه بيت الله، فما هو الربا في مفهوم القرشيين؟


لم يكن للقرشين نشاط زراعي؛ لأنهم بوادٍ غير ذي زرع، فتركز نشاطهم في التجارة مع الحجاج، ومع مزارعي ثقيف، والمستوطنات الزراعية المجاورة كاليمامة، وكان من أبرز أنشطتهم إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، وتمول هاتين الرحلتين في بعض الأحيان بالائتمان عن طريق عقد المضاربة [المشاركة في الربح والخسارة]، ولكن طبائع الأمور تقتضي افتراض أن للاقتراض الربوي الدور الواسع في مختلف صور النشاط التجاري، كما تدل على ذلك النصوص المحفوظة.


وبما سبق؛ تبين افتراض أن مفهوم الربا عند القرشيين لا يختلف عن المفهوم الشائع للربا عند مختلف الشعوب، وهو تقديم الممول المال لمحتاج التمويل لأجل، في نظير أو مقابل للأجل هو الربا؛ أي الزيادة.


والربا ـ بهذا المفهوم ـ هو الذي عرفته القوانين البابلية والآشورية والفرعونية، وهو المعروف عند الإغريق والرومان أن المقولة المشهورة المنسوبة لـ"أرسطو": (النقود لا تلد نقودًا) وردت قبل ثلاثة وعشرين قرنًا على لسان هذا الفيلسوف الإغريقي الوطني تسببًا للحكم بأن الربا سلوك غير أخلاقي.


والربا بهذا المفهوم هو الذي جاءت الشريعة الموسوية ثم المسيحية بتحريمه، فقد حرمته التوراة [انظر الملحق، بعنوان "ربا اليهود"]، إلا أن اليهود من بعد موسى عليه السلام ـ مع احتفاظهم بتحريمه بين اليهود ـ أجازوه بين اليهود وغيرهم؛ على أساس أن أموال غير اليهود حلال لليهود.



فهم حين يأخذون الربا من الأميين إنما يأخذون أموالهم، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]، جاء في الإصحاح [فقرة (23/19-20)] من سفر التثنية من التوراة المحرفة: (لا تقرض أخاك بربا؛ ربا فضة، أو ربا شيء مما يُقرض بربا، للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا).


وقد شنَّع الله على اليهود بهذا، وتوعدهم بالعذاب الأليم: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 161]، وليس المقصود في الآية ـ والله أعلم ـ مجرد الإخبار بهذه الواقعة، وإنما التحذير منها.


وكان اعتياد اليهود لممارسة جريمة الربا سببًا في كراهية العالم لهم، وتشنيعه عليهم، لاسيما العالم المسيحي الأوروبي، ومن آثار ذلك مسرحية "شكسبير" المشهورة "تاجر البندقية".


ثم جاءت الشريعة المسيحية بتأكيد تحريم الربا دون اعتبار لطرفي العقد الربوي، ومن آثار هذا التحريم الآيتان 24 و25 من الفصل السادس من "إنجيل لوقا": (إذا أقرضتم لمن تنتظرون منهم المكافأة فأي فضل يُعرف لكم؟ ولكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائداتها)، ويقول "سان توما": (إن تقاضي الفوائد عن النقود أمر غير عادل، فإن هذا معناه استيفاء دَين لا وجود له).


ومع أنه بانتصار العلمانية في العالم الغربي؛ وبالتالي التحرر من القيود الدينية المسيحية بغلبة فكرة النسبية في الأخلاق، قد أُبيحت الفائدة على القروض في القوانين الغربية، فإن هذه القوانين لم تستطع أن تتحرر تحررًا كاملًا من النظرة الأخلاقية؛ فظلت القوانين الجنائية تحرم ممارسة الربا بالمفهوم الشائع، وإن كانت قد استثنت منه بالإباحة الفوائد في حدود معينة نصت عليها القوانين، دون إخلال بالمفهوم الشائع للربا، وإنما احتاجت إلى تمييز المنطقة التي بقيت محرمة بالربا الفاحش؛ فالفائدة ربا بسيط يُباح في حدود معينة، يتحكم القانون في وضعها بين وقت وآخر [يراجع: مصادر الحق، السنهوري، (2/216، 217، 221)].


وقد قلَّدت بلدان العالم الإسلامي بلدان العالم الغربي في تقنين التفريق بين بسيط الربا وفاحشه؛ فمثلًا سمحت التقنينات المدنية العربية بتقاضي فوائد ينص على تحديدها القانون، وحرَّمت الزيادة عليها، كما حرَّمت الفوائد المركبة بعد أن سمحت بالفائدة البسيطة؛ فنصت المادة (336)، من التقنين المدني المصري، على تحديد سعر الفوائد بـ"4%" في المسائل المدنية، وبـ"5%" في المسائل التجارية.


كما نصت المادة (337) منه على أنه: (يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على سعر آخر للفوائد، على ألَّا يزيد هذا السعر عن 7%؛ فإذا اتفقا على فوائد تزيد على هذا السعر؛ وجب تخفيضها إلى 7%، ويمكن رد ما دفع زائدًا على هذا القدر، وكل عمولة أو منفعة أيًّا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة على الحد الأقصى المتقدم ذكره؛ تُعتبر فائدة مستترة، وتكون قابلة للتخفيض).


ونصت المادة (333) منه على أنه: (لا يجوز تقاضي فوائد على متجمد الفوائد، ولا يجوز بأي حال أن يكون مجموع الفوائد التي يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال)، وتتضمن التقنيات المدنية العربية الأخرى ـ السوري والليبي والعراقي ـ نصوصًا مماثلة، عدا تحديد نسبة الفائدة.


ويقول الدكتور السنهوري، وهو الذي وضع أصول القوانين الأربعة المشار إليها في شرحه لهذه المواد: (ويتكفل القانون بتحديد مقدار الفوائد، والسبب في ذلك كراهية تقليدية للربا، لا في مصر فحسب، ولا في بلاد العالم الإسلامي وحدها، بل في أكثر تشريعات العالم؛ فالربا مكروه في كل البلاد، وفي جميع العصور؛ ومن ثَم لجأ المُشرِّع إلى تحديده للتخفيف من رزاياه، وهذا هو المبرر القوي الذي حمل القانون في هذه الحالة على التدخل).


ثم يقول: (وسنرى فيما يلي كيف كره المُشرِّع المصري الربا، فحدد لفوائد رءوس الأموال سعرًا قانونيًّا وسعرًا اتفاقيًّا، وتشدد في مبدأ سريان هذه الفوائد، وأجاز استرداد ما يُدفع زائدًا على السعر المقرر، وأعفى المدين في حالات معينة من دفع الفوائد، حتى في الحدود التي قررها، ومنع تقاضي الفوائد على متجمد الفوائد، في هذه وغيرها آيات على كراهية المُشرِّع ـ المصري ـ للربا، وعلى الرغبة في التضييق منه)، ثم يقول: (وقد زاد التقنين الجديد على التقنين القديم في كراهية الربا) [الوسيط في شرح القانون المدني، السنهوري، (3/88)].


وكما يرى القارئ، فإن المفهوم الشائع للربا المشار إليه آنفًا ظل في الفقه العربي الحديث محتفظًا باسم الربا، مع خروج التقنينات العربية على هذا المفهوم بإباحة بعض صوره على سبيل الاستثناء.


وفي موضع آخر من مصادر الحق، يصف الدكتور السنهوري القرض بفائدة بأنه: (أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة) [مصادر الحق، السنهوري، (2/364)].


والمقصود من كل ما سبق أن الربا ظل محتفظًا بمفهومه المشار إليه، بالرغم من ممارسة الناس له، إما بصفة قانونية أو بصفة غير قانونية، إن هذه الحقيقة مهمة جدًّا؛ لأن هذه الورقة سوف تعود إليها بالإشارة وبالاستدلال، بين حين وآخر.


المحاولات التوفيقية:


قبل استعراض هذه المحاولات، من المهم الإشارة إلى بعض الأسس التي سيرجع إليها في المناقشة.


معروف أن لفظ الربا ورد في القرآن الكريم في أربعة مواضع: في سورة الروم: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم: 39]، وفي سورة آل عمران: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، وفي سورة النساء: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161].


وفي سورة البقرة: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276]، وأيضًا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].


وأيضًا في سورة البقرة: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وبعض هذه الآيات نزل في مكة وبعضها في المدينة.


ويلاحظ هنا:


1 - أن كلمة الربا، حيثما تكررت في القرآن، يجب افتراض أن لها مفهومًا واحدًا، حتى يقوم من الأدلة ما يثبت أنها وردت بمفاهيم مختلفة، ومن غير المنطقي القول بأن الربا في سورة البقرة وآل عمران والروم لا يدخل في مفهوم الربا الوارد في سورة النساء.


ولا منازعة في أن هذا اللفظ يُقصد به الربا الذي يمارسه اليهود عند نزول الوحي، ولا منازعة في أن الصورة الأصلية لهذا الربا هي: دفع الشخص المال لشخص آخر لأجل معلوم، في نظير زيادة يدفعها المدين مع رأس المال؛ أي ما يُسمى الآن "القرض بفائدة".


2 - أن بعض الألفاظ في نصوص القرآن والحديث نُقلت من معانيها الأصلية إلى معانٍ شرعية؛ كالصلاة نُقلت من مجرد الدعاء إلى الحركات الخاصة الشرعية، وكالوضوء نُقل إلى الهيئة الخاصة بغسل الأعضاء التي ورد بها الشرع، ولكن ألفاظًا أخرى بقيت بمفهومها المعروف عند الناس، وإن كان هذا المفهوم قد أُلحق به مفاهيم أخرى، وردت بها النصوص.


ومن هذه الألفاظ الأخيرة، مثلًا: لفظ (الزنا)، يدخل فيه بحكم الأصل المفهوم المعروف لدى الناس وقت نزول الوحي، وإن كان قد أُلحق به كل اتصال جنسي بين رجل وامرأة لا يقوم بينهما عقد الزوجية الشرعي كالزواج بالمحارم، ومثل (الربا)، يدخل فيه بحكم الأصل المفهوم المعروف لدى الناس وقت نزول الوحي، كما يدخل فيه التصرفات المالية التي وردت بها الأحاديث الثابتة، كبيوع ربا الفضل.


وإذًا؛ فإن دعوى خروج صور من المفهوم المعروف لدى الناس عند نزول الوحي لكلمة ربا، وادعاء أنه غير مقصود بالنص؛ دعوى على خلاف الأصل.


3 - مع احتفاظ النصوص بالمفهوم المعروف عند الناس لكلمة الربا، فقد أُلحقت بهذا المفهوم في التحريم صور يجمعها في الغالب أنها ذريعة لارتكاب الربا بالمفهوم المعروف، وهذا يعني تأكيد هذا المفهوم، وتأكيد حكم التحريم.


4 - إن الربا بالمفهوم المعروف كان يُمارس في المجتمع القرشي الجاهلي بصور مختلفة؛ منها الصورة المشهورة حين يحل أجل الدين، فيطلب الدائن من المدين؛ إما أن يدفع له دينه، أو أن يزيد في قيمته، في نظير تمديد الأجل.


ولكن الصورة الغالبة والشائعة ـ كما تقتضي طبائع الأشياء ـ هي الصور الغالبة في المجتمعات الأخرى، وهي ما يُطلق عليه في الوقت الحاضر القرض بفائدة، ومعلوم أن الصورتين من جنس واحد؛ هو أخذ الدائن زيادة من جنس الدين في نظير انتفاع المدين بالدين.


وعلى هذا الأساس؛ يُفهم ما ورد من الأخبار بأن الربا المعروف عند الجاهلية هو صورة، إما أن تقضي وإما أن تربي، فليس المقصود نفي غير هذه الصورة بعينها، وإنما نفي ما هو من غير جنسها، بمعنى آخر نفي الصورة التي تدخل في المعنى الواسع الذي جاء به الإسلام، كربا الفضل مثلًا.

5 - وحتى لو افتُرض أن قريشًا في الجاهلية لم تكن تمارس من صور الربا إلا صورة "إما أن تقضي أو تربي"، فغير قريش؛ كاليهود مثلًا، بالتأكيد كانوا يمارسون الربا بالصورة الشائعة، والقرآن لما نزل بتحريم ربا الجاهلية لم يقصد جاهلية خاصة، وإنما حرم كل ربا الجاهلية الموجود عند نزوله، سواء جاهلية قريش أم جاهلية الشعوب الأخرى، ولا يقول عاقل بأن الربا الذي شنَّع الله به على اليهود، وقرنه بجنسه من جرائمهم من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وأخبر عن عقابه لهم بسببه في الدنيا والآخرة قد أحله للمسلمين.
وإذا لوحظ ما سبق؛ تبين حقيقة التصورات الوهمية التي بنت عليها غالب المحاولات التوفيقية لقسر الإسلام على قبول الفائدة الربوية، ولابد من أخذ هذا الأمر بالاعتبار؛ إذ أن هذه الورقة سوف تكرر الإسناد إليه.


وسنبدأ استعراض الحلول التوفيقية، وسوف يكون مرجعنا في الغالب ـ وبهذا نستغني عن الإشارة إلى هذا المرجع فيما بعد ـ "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" الجزء الثالث، في بحث الربا، باعتبار أن هذا المرجع اشتمل على عرض ومناقشة أهم المحاولات التوفيقية.


استعراض المحاولات التوفيقية:


أولًا ـ محاولة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:


وردت عدة فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في المنار، كان هدفها التماس مخرج للمسلمين الذين يودعون أموالهم في البنوك في العالم الإسلامي، وأغلبها بنوك أجنبية، وكلها كانت يدًا مبسوطة للمستعمر للتحكم الاقتصادي.


فافترض الشيخ محمد رشيد أن الربا الذي كانت تمارسه قريش على صورة واحدة، هي صورة "إما أن تقضي وإما أن تربي"؛ حيث يوجد دين ناشئ عن بيع أو قرض إلى أجل، وعند حلول الأجل يطلب الدائن من المدين "إما الوفاء أو زيادة الدين"؛ نظير تمديد الأجل، ثم افترض أن الربا الذي صرحت بتحريمه آيات سورة البقرة مقصود به هذه الصورة فقط من صور الربا.


ولما كانت نصوص الحديث الثابتة صريحة في إدخال صور أخرى، ومنها بيوع ربا الفضل؛ حيث يُباع مال ربوي؛ كالذهب والتمر بجنسه نقدًا، بزيادة نظير الاختلاف في النوعية مثلًا.


ومنها بيع ربا النسيئة؛ حيث يُباع المال الربوي بمثله نسيئة، أي إلى أجل بزيادة نظير الأجل، ومن ضمنها ما يُسمى في الوقت الحاضر القرض بفائدة، فافترض أن هذه الصور ورد النهي عنها، لا لأنها مقصودة بالنهي بالذات، وإنما لأنها ذريعة إلى الصورة الخاصة من الربا التي افترض أن القرآن ورد بالنهي عنها على نحو ما سبق.


ثم افترض أن النهي في الصور الأخرى يحتمل الكراهة، لا التحريم، أو أن المراد به خلاف الأولى، وأن الراوي فهم أن المراد التحريم.


وبناء على ما سبق؛ رأى أنه يمكن إخراج القروض البنكية بفائدة من مفهوم الربا المحرم؛ فيجوز للمسلم ـ ولاسيما في ظروف الفتوى ـ أن يأخذ فائدة عن أمواله التي يودعها في البنك.


واضح أن هذه المحاولة تحصر الربا المحرم في منطقة ضيقة جدًّا من المفهوم المعروف عند الناس للربا، حيث تتحدد هذه المنطقة بصورة من صور الفوائد التأخيرية الاتفاقية، وهي الصورة التي يتم فيها الاتفاق على الربا، عند حلول أجل الدين؛ فهي تخرج من الربا المحرم بالنص كل صور الفوائد التعويضية، سواء أكانت فائدة بسيطة أو فائدة مركبة، وسواء أكانت فائدة قليلة أو فائدة فاحشة.


أي أنها تخرج ـ فيما عدا الصورة المشار إليها ـ كل الصور التي تحرمها التشريعات العلمانية الحديثة، بما فيها التقنينات العربية، والتي تعتبرها هذه التشريعات والتقنينات من صميم الربا، وتعاقب عليها كأية جريمة جنائية.


إن أستاذين كبيرين من أساتذة القانون العربي لم يستطيعا أن يقبلا هذه المحاولة، على أساس أنها تقصر التحريم على صورة مزعومة لربا الجاهلية المحرم؛ فحسب تعبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري: (غني عن البيان أن القول بأن ربا الفضل وربا النسيئة إنما نُهي عنهما في الحديث الشريف نهي كراهة لا نهي تحريم، لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب)، (الذي انعقد عليه الإجماع أن كل ذلك ربا محرم، لا ربا مكروه فحسب).


وحسب تعبير الدكتور زكي الدين بدوي: (قول الشيخ محمد رشيد: إن النهي عن بيع الأصناف الواردة في الحديث كان تورعًا؛ لإفادة أن بيعها خلاف الأولى، أو كان للكراهية فقط لا للتحريم، دعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث، والمأثور عن الصحابة؛ فظاهر الأحاديث يفيد التحريم؛ إذ يطلق على هذه البيوع لفظ ربا، ومعلوم إثمه، وما خص به من شديد الوعيد) "دلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الإفهام".


ويُضاف إلى اعتراضات الأستاذين المشار إليهما ما يأتي:


1 - لو فُرض أن لفظ (الربا) في آيات سورة البقرة (مجملة)؛ فإن القاعدة الأصولية أنه يرجع في تبيين المجمل في القرآن إلى نصوص القرآن، وإلى صحيح السنَّة النبوية؛ فآية سورة النساء تبين أن مفهوم هذه اللفظة (الربا) الذي اعتاد اليهود على ممارسته، وهو إقراض النقود لأجل بفائدة، وثبوت هذا لا ينازع فيه إلا مكابر، كما أن الأحاديث الثابتة ثبوتًا قطعيًّا، والصريحة في دلالتها؛ لا تجعل مجالًا للشك في دخول القرض لأجل بفائدة في مفهوم الربا.


2 - أن الربا بهذا المفهوم هو المعروف عند الناس عند نزول الوحي، فلا يجوز صرف معناه عن هذا المفهوم إلا بدليل، ولم تقدم المحاولة دليلًا قويًّا أو ضعيفًا، ثابتًا أو غير ثابت على ذلك.


3 - أن صرف اللفظ إلى هذا المفهوم الضيق يخرج ربا النسيئة عن مفهوم الربا المحرم، وهذا مخالف لإجماع الأمة، من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى عصر الشيخ محمد رشيد؛ إذ لم يوجد فضلًا عن أن يُنقل خلاف في تحريم ربا النسيئة، ولاسيما ربا النسيئة في الأثمان، القرض لأجل بفائدة.


4 - تمييز الشيخ محمد رشيد بين الصور الخاصة من الربا التي قصر عليها التحريم بأنها منهي عنها لذاتها، وصور ربا النسيئة الأخرى بأنها منهي عنها لغيرها؛ أي لكونها ذريعة إلى الصورة الأولى تمييز تحكمي لا دليل عليه.
اضافة رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11/06/2009, 12:50 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
الأحكام الشرعية المتعلقة بزكاة الدَّين

تعريف الدَّين:


الدين في اللغة: واحد الديون، وكل شيء غير حاضر دين، وقد دانه أقرضه، فهو مدين ومديون، ودان هو؛ أي استقرض، فهو دائن أي عليه دين [لسان العرب، ابن منظور، (13/164)، ومختار الصحاح، الرازي، (1/218)].


الدَّين في اصطلاح الفقهاء: عبارة عن مال حكمي في الذمة [بدائع الصنائع، الكاساني، (5/234)].


أقسام الدين:


الدين إما أن يكون للشخص على الغير أو للغير على الشخص؛ بمعنى أن الشخص الذي ستتعلق بدينه الزكاة إما أن يكون: دائن أو مديون، والحديث عن تعلق الزكاة بالدين يختلف بحسب ذلك؛ ولذلك سأقسم الحديث عن زكاة الدين إلى قسمين:


القسم الأول: زكاة الدين الذي للغير على الشخص "دين المديون":


إذا كان شخص له مال تجب فيه الزكاة وعليه ديون قدر ماله أو أكثر أو أقل؛ فإن كانت لا تنقص النصاب فلا تمنع من وجوب الزكاة، وعليه أداء زكاة ذلك المال باتفاق العلماء.


أما إذا كان هذا الدين ينقص المال عن النصاب أو يقضي عليه؛ فإن في وجوب الزكاة عليه عند المذاهب الفقهية المشهورة أقوال؛ نلخصها في التالي:


أقوال الفقهاء:


عند الشافعية ثلاثة أقوال؛ أصحها: لا يمنع وجوب الزكاة سواء أكان الدين حالًّا أو مؤجلًا، وسواء أكان من جنس المال أم لا، والثاني: يمنع، والثالث: يمنع في الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنعها في الأموال الظاهرة؛ وهي: الزروع والثمار والمواشي والمعادن [المجموع، النووي، (5/317)].


عند الحنابلة: (يمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، وهي الأثمان وعروض التجارة، فإن كان معه مائتا درهم وعليه دين فلا زكاة عليه، هذا إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه، ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب أو ما لا يستغني عنه، فإن كان لا ينقص به النصاب؛ أسقط قدر الدين وأخرج زكاة الباقي، فإن كان له ثلاثون مثقالًا وعليه عشرة؛ فعليه زكاة العشرين) [المغني، ابن قدامة، (2/344)].


وعند الحنفية: الدين يمنع الزكاة، فمن كان عليه دين يحيط بماله فلا زكاة عليه، وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصابًا [اللباب، عبد الغني الميداني، (1/137)].


وعند المالكية: أن الدين يسقط زكاة القدر المساوي له من العين، فمن له نقد أو عروض تجارة تجب فيه الزكاة وعليه دين ولو مؤجلًا؛ فإنه يخصم مما عنده ويزكي الباقي إن كان نصابًا [تبيين المسالك، الشنقيطي، (2/81)].


قال ابن رشد [بداية المجتهد، ابن رشد، ص(238)]: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة؛ فإنهم اختلفوا في ذلك:


1. فقال قوم: لا زكاة في مال حيا كان أو غيره، حتى تخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زكى، وإلا فلا، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن مبارك وجماعة.


2. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها.


3. وقال مالك: الدين يمنع الزكاة الناض [هو ما تحول ورِقًا أو عينًا، أي حاضرًا، انظر: لسان العرب: ابن منظور، (7/236)]، فقط إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه؛ فإنه لا يمنع.


4. وقال قوم: بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلًا.


والسبب في اختلافهم: اختلافهم هل الزكاة عبادة أو حق مرتب في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حق لهم؛ قال: لا زكاة في مال من عليه الدين؛ لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي المال بيده.


ومن قال هي عبادة؛ قال: تجب على من بيده مال؛ لأن ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف، سواء أكان عليه دين أو لم يكن، وأيضًا فإنه تعارض هنالك حقان: حق لله وحق للآدمي، وحق الله أحق أن يُقضى.


والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المدين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيها (صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [متفق عليه، رواه البخاري، (4347)، ومسلم، (130)]، والمدين ليس بغني.


الراجح:


كلام ابن رشد هو الأقرب إلى الصواب وإليه ذهب جمهور العلماء المعاصرين؛ وذلك للأدلة التالية:


1. عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون من الزكاة) [رواه مالك في موطأه، (596)]، وفي رواية: (فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك ماله)، وعن يزيد بن حصيفة أنه سأل سليمان بن يسار، (عن رجل له مال وعليه دين مثله أعليه زكاة؟ فقال له: لا) [رواه مالك في موطأه، (598)].


2. إن ملكية المديون ضعيفة وناقصة؛ لتسلط الدائن عليه ومطالبته بدينه، ومن شروط المال الذي تجب فيه الزكاة تمام الملك.


3. أن رب الدين مطالب بتزكيته لأنه ماله وهو صاحبه، فلو زكاه المديون لوجبت الزكاة في المال مرتين.


4. إن المديون دينًا يستغرق النصاب أو ينقصه ممن يحل له أخذ الزكاة؛ لأنه من الفقراء ومن الغارمين.


5. أن الصدقة لا تجب إلا عن ظهر غنى، ولا غنى للمديون وهو محتاج لقضاء دينه.


القسم الثاني: زكاة الدين الذي على الغير للشخص "دين دائن":


من كان له دين على آخر، وهذا الدين يبلغ نصابًا وحال عليه الحول وهو لا زال في ذمة المدين؛ ففي وجوب الزكاة فيه أقوال للفقهاء نجملها ثم نذكر القول الذي نرجحه:


أولًا ـ مذهب الحنفية [المبسوط، السرخسي، (2/194)]:


الديون على ثلاث مراتب عند "أبي حنيفة" رحمه الله تعالى:


(1) دين قوي: وهو ما يكون بدلًا عن مال كان أصله للتجارة لو بقي في ملكه، وحكمه: لا يلزمه الأداء ما لم يقبض أربعين درهمًا، فإذا قبض هذا المقدار أدى درهمًا، وكذلك كلما قبض أربعين درهمًا.


(2) ودين وسط: وهو أن يكون بدلًا عن مال لا زكاة فيه لو بقي في ملكه؛ كثياب البذلة والمهنة، وحكمه: لا يلزمه الأداء ما لم يقبض مائة درهم؛ فحينئذٍ يؤدي خمسة دراهم.


(3) ودين ضعيف: وهو ما يكون بدلًا عمَّا ليس بمال؛ كالمهر، وبدل الخلع، والصلح عن دم العمد، وحكمه: لا تلزمه الزكاة ما لم يقبض ويحول الحول عنده.


وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: الديون كلها سواء، وكلها تجب الزكاة فيها قبل القبض.


ثانيًا ـ المالكية [الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي، (1/468)]:


من أقرض غيره مالًا؛ فلا يزكي هذا الدين إلا بعد قبضه، وإنما يزكه بعد قبضه إن كان نصابًا لسنة واحدة فقط، ولو بقي الدين في ذمة المدين سنين.


ثالثًا ـ مذهب الشافعية [المجموع، النووي، (6/22)]:


إذا أمكن استيفاء الدين بأن كان على مدين مليء باذل له، أو جاحد له، ولكن عند الدائن بينة إثبات، فإن كان الدين حالًّا غير مؤجل وجبت الزكاة فيه، وإن كان الدين مؤجلًا فأصح الأقوال فيه: تجب الزكاة فيه، ولكن لا يجب إخراجها في الحال.


أما إذا كان يتعذر استيفاؤه لإعسار المدين أو جحوده ولا بينة للدائن، أو لمطل المدين أو غيبته؛ ففي وجوب الزكاة فيه أقوال، الصحيح منها: وجوب الزكاة، ولكن لا يجب إخراجها قبل قبض الدين، فإذا قبضه الدائن أخرج زكاته عن المدة الماضية.


رابعًا ـ مذهب الحنابلة [المغني، ابن قدامة، (3/46)]:


الدين عندهم نوعان:


الأول: دين على معترف به باذل، فعلى صاحب هذا الدين زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراج زكاته حتى يقبضه فيؤدي لما مضى من المدة.


الثاني: دين على معسر أو جاحد له أو مماطل به؛ وهذا فيه روايتان عند أحمد؛ الأولى: لا تجب، والثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى من المدة.


الآثار المروية في زكاة الدين:


1. عن ابن عمر: (إذا كان دينك في ثقة فزكه، وإن كنت تخاف عليه التلف فلا تزكه حتى تقبضه) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7111)].


2. عن ابن عمر قال: (ليس في الدين زكاة) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7125)].


3. عن ابن عمر قال: (زكوا زكاة أموالكم حولًا إلى حول، وما كان من دين ثقة فزكه، وإن كان من دين مظنون فلا زكاة فيه حتى يقضيه صاحبه) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، (10251)].


4. عن علي أنه كان يُسأل عن الرجل له الدين على الرجل، قال: (ما يمنعه أن يزكي؟ قال: لا يقدر عليه، قال: وإن كان صادقًا فليؤدِ ما غاب عنه) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7116)].

5. عن الحسن قال: (سُئل علي عن الرجل يكون له الدين على الرجل، قال: يزكيه صاحب المال، فإن أدى ما عليه وخشي أن لا يقضي قال: يمهل فإذا خرج أدى زكاة ماله) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، (10246)].
6. عن عائشة قالت: (ليس في الدين زكاة) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7115



7. عن عائشة قالت: (ليس فيه زكاة حتى يقبضه) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، (10259)].


8. عن ابن جريج قال: (أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في دين لرجل على آخر، يعطي زكاته؟ قال: نعم)، قال ابن جريج: (فكان عطاء لا يرى في الدين صدقة، وإن مكث سنين، حتى إذا خرج زكاه واحدة، وكان يقول في الرجل يبتاع بالمال فيحل، فإذا حل ابتاع به وأحال به على غرمائه ولم يقبض في ذلك، قال: لا صدقة فيه، قال عطاء: وإن كان على وثيق فلا يزكه حتى يخرج) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7121)].


9. عن عطاء قال: (ليس على صاحب الدين الذي هو له، ولا الذي هو عليه زكاة) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، (10261)].


10. روى عبد الرزاق عن معمر، قال: (سألت الزهري عن الرجل يكون له الدين، أيزكيه؟ قال: نعم، إذا كان في ثقة، وإذا كان يخاف عليه التوى فلا يزكيه، فإذا قبضه زكاه لما غاب عنه) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7131)].


11. عن حماد قال: (الزكاة على من المال في يده)، قال: (وكان ابن المسيب يقول: إذا كان الدين والسلف على مليء؛ فعلى سيده أداء زكاته، فإن كان على معدم؛ فلا زكاة فيه حتى يخرج فيكون عليه زكاة السنين التي مضت، قال ذلك الأمر) [رواه عبد الرزاق في مصنفه، (7129)].


قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن زكاة الديون "24":


إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة، [من 10-16، ربيع الآخر، 1406هـ/22-28، "ديسمبر"، 1985م]، بعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول زكاة الديون، وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة؛ وتبين منها:


أولًا: أنه لم يرد نص من كتاب الله تعالى أو سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم يفصل زكاة الديون.


ثانيًا: أنه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم من وجهات نظر في طريقة إخراج زكاة الديون.


ثالثًا: أن قد اختلفت المذاهب الإسلامية بناء على ذلك اختلافًا بينًا.


رابعًا: أن الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة: هل يُعطى المال الذي يمكن عليه صفة الحاصل؟


قرر ما يلي:


أولًا: تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة، إذا كان المدين مليئًا باذلًا.


ثانيًا: تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض إذا كان المدين معسرًا أو مماطلًا.


............................................................
اضافة رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11/06/2009, 02:44 PM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 10/09/2008
المكان: علبة شطّـه
مشاركات: 217
الله يــعـطـيك الـعـآفـيـه ~
اضافة رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12/06/2009, 01:15 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 30/10/2008
المكان: بلاد الحرمين .. }
مشاركات: 875
ماشاء الله

سيرة عطرة للامام الشافعي

جزاك الله خيرآ
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 12:12 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube