#16  
قديم 30/03/2010, 08:52 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441

-3-



تمشى الشيخ حمدان و عامر عائدين بعد أن ودعا الرجال:
- لم أر في حياتي مثل مدينتكم هذه يا عماه، كأنها مدفونة في الصخر.
- لها قصة طويلة كما قلت لك.. كم كان ذلك الزلزال مدّمراً؟ لقد دمّر تسعة أعشار المدينة.
- زلزال؟ وكيف حدث؟ ومتى؟
- منذ سنين بعيدة، ترك لي أحد أجدادي وصفاً دقيقاً عن الكارثة.. إنه مخطوط قديم احتفظ به بحرص في صندوق متين مُقفل.. لا يعرف سرّه سوى ابنتي سمية..
- أيمكن أن أطلع عليه يا عماه؟
- ليس بعد يا بني.. لم يحن وقت كشف ذلك السر..
وصلا بيت الشيخ حمدان قابلتهما سمية على الباب:
- ألا تشعران بالجوع؟ جهزتُ حَساءاً ساخناً بلحم الضأن.
- أحضري الطعام يا ابنتي.. بالطبع نحن جائعان.
- حسناً لحظات وأعود.
تمتم حمدان وهو يتابع سمية:
- سمية فتاة رائعة وأنا أحبها كثيراً.. إنها شديدة الأمانة والصدق.
- وحيدة؟
- لا.. لدي ثلاثة أولاد.. تزوجوا وعاشوا في مناطق أخرى، ولم أسمع عنهم شيئاً بعد رحيلهم.. سمية هي الباقية من أولادي الذين رحلوا عنا.
- زوجتك موجودة؟ أقصد أما تزال حية؟
- إنها مريضة، أثرَ بها إهمال الأولاد لنا.. وقد أمرضها ذلك رغم محاولاتنا التخفيف عنها.
- لم أرها بعد..
- ستراها سريعاً، إنها في إحدى الغرف الخلفية للمنزل.. هناك خادمة خاصة، تساعدها في تدبير شؤونها.
دخلت سمية تحمل طبق الطعام.
- الطعام.. تفضلا.
- سلمت يداك.. يبدو شهياً.
- بالهناء يا عامر.. أنت ضيف وتحتاج لتغذية جيدة.. أبي يأكل القليل.. إنه غير مسرفٍ في تناول الطعام.
- ولكن جسمه مربوع قوي.
قال حمدان:
- الأكل الكثير، ليس مصدراً للقوّة والعضلات المفتولة.. القليل قد يكفي الإنسان في حياته.. وقوته .
- معك حق يا عماه.
- ابدأا، كاد الحَساء أن يَبرد.
- بسم الله الرحمن الرحيم..
شعر عامر بأن سميّة سلبت لبّه.. وحين خلا لنفسه، شعر أنه يغرق شيئاً فشيئاً في حب الصبيّة..
وبعد استراحة الغداء بقليل، أتته سمية بالشاي، وطلبت منه الاستعداد لزيارة والدتها.. وبعد مدة قصيرة وجد نفسه يسير بصحبتها للقاء العجوز..
- أمي إنسانة خارقة الذكاء، رغم مرضها، انتبه إلى ذلك، وأنت تحادثها، هي التي طلبت رؤيتك.. ولم نتحدث نحن عنك أمامها أبداً..
- لابد أن خبر وصولي إليكم قد وصلها عن طريق إنسان مقرب إليها..
- ربما.. وإن كنتُ أشك في ذلك.. فهي ترى في أحلامها كل ما يحدث حولها وتتنبأ بوقوع الأحداث دائماً .
قابلتهما الخادمة: - سيدتي نائمة.. غفت منذ قليل.
قالت سمية: - ألن نُدخِلَ الضيف إذن؟
- بل تفضلا بالدخول.. اجلسا إلى جانبها.. هكذا رغبت.
- أن نراقبها وهي نائمة؟
- رغبتها أن تدخلا فور وصولكما، مهما كان وضعها هكذا أكدت لي.
- لا بأس.. تفضل يا عامر..
كانت تغفو على فراش رقيق، وهي تسند رأسها على وسائد عديدة.. شعر عامر كأنه رأى وجهها من قبل بدا له مألوفاً..
- أمي الآن في أحد عوالمها.. كأنها منفصلة عن عالمنا.
همست الخادمة: - أرجو أن لا تتكلما، حتى ولو بالوشوشة، إنها تنزعج، وقد تستيقظ غاضبة.
- لا بأس.. لن نتحدث أبداً حتى تستيقظ..
تحركت العجوز بعد قليل:
- الماضي مخيف.. والمستقبل.. آه من المستقبل.. أحضري تلك المرأة التي فقدت زوجها، والمرأة الأخرى التي أصابها الجنون.
- حالاً يا سيدتي.
تأملت عامر: - أنت عامر الذي دخل في لعبة الزمن؟
- أنا عامر يا خالة؟ نعم.. ولكن ما الذي تقولينه عن لعبة الزمن.. لا أفهم شيئاً".
- أنا أتحدث بالألغاز أحياناً.. كيف حالك يا ابنتي؟
- بخير يا أماه.. ما زال أبي يريد رؤيتك.
- ليس بعد يا ابنتي.. ليس بعد.. لا أستطيع رؤيته الآن.. اسمع أيها الشاب، لم يحدثك حمدان بعد عن سبب تحول(مودس) إلى مدينة صغيرة مدفونة تحت الصخر. قل له أن يحكي لك حكاية هذه المدينة، إنه طلب مني.. أفهمت؟
- سأقول له أنك تطلبين منه ذلك يا خالة.
- حسناً.. وأنت يا سمية، قلبي عليك يا ابنتي، ستتعذبين لبعض الوقت، ولكن هذا قدرك، لا بأس،
لا أستطيع أن أفسر لك ذلك الآن.. و.. اجلسا صامتين أنت وعامر.. ولا تتحدثا حتى ولو همساً سأرى هاتين المرأتين.
دخلت الخادمة:
- أحضرتهما لك يا سيدتي.. حتى المرأة المصابة بعقلها رافقتني بهدوء، دون مقاومة.
أشارت لها أن تدخلهما، فدخلتا باحترام كبير:
- اجلسا هنا.. استمعي إلي جيداً أنت، فقدت زوجك منذ أشهر، أليس كذلك؟
كانت المرأة التي تكلمت إليها شابة صغيرة حزينة:
- نعم يا سيدتي.
- إنه في مكان يبعد عدة فراسخ إلى الجنوب، ينتظر أن يلتئم جرحه ليعود إليك.. أصابه سهم صياد كان يصطاد حمر الوحش.
- هل أستطيع الذهاب إليه وإحضاره.؟
- يمكنك الطلب إلى الشيخ حمدان أن يزودك بالرجال لإحضاره.. إنه في خيمة صغيرة تعتني به امرأة متقدمة في السن، عثر عليه زوجها وهو ملقىً بين الرمال والدماء تنزف منه.
- شكراً لك يا سيدتي، هل أذهب الآن؟
- لا بأس، رافقيها يا سمية إلى الخارج، واحذري أيتها المرأة من أن تفقديه ثانية.. أنت من سبب له هذه المصيبة، بإلحاحك عليه للذهاب للصيد وحيداً، دن رفيق، لتستأثري بالصيد وحدك هيا اذهبي..
- نعم يا سيدتي.
همهمت وهي تخرج:
- إنها تقرأ الأفكار أيضاً.
قالت لها سمية: - هيا، سأرافقك إلى الخارج.
تابعت العجوز: - وأنت أيتها المرأة؟
- ماذا تريدين أن تقولي لي يا سيدتي الحكيمة؟ أنا بلهاء.. يسخر مني الجميع، حتى أولادي هربوا مني.
- أنت تمرين بمرحلة صعبة وقد اكتشفت جريمة بالصدفة، جريمة فعلها أقرب الناس إليك، وهو ابنك الأكبر.. قتل ضيفكم ليسطو على ماله.. ودفنه بمعونة ابنك التالي خارج الخيمة التي تسكنونها..
- آه يا سيدتي.. كيف عرفت؟ ما الذي أستطيع فعله.. وامرأة ذلك الرجل تبكي وتنوح وتفتش عنه وجثته مدفونة قريباً من مسكني..
- سيأتي بعد أيام تائباً " نادماً"، ويعترف بجريمته، ليأخذ العقاب الذي يستحقه، لن يرحمه الشيخ حمدان.
- أنا أموت يا سيدتي، كنت خائفة على ابني من هذه الجريمة، والآن أتمنى أن ينال عقابه، لم يكن سوى وحش طامع قتل بريئاً يحمل أمانة ليست له كما قال لنا أكثر من مرة..
- اذهبي الآن.. ستتعذبين لبعض الوقت ولكنك ستجدين الراحة بعدها.. رافقها إلى الخارج يا عامر.
- سأفعل يا خالة..
هزت رأسها وهي تبكي بهدوء.
- آه ما أكثر سواد الأيام المقبلة..
قالت الخادمة: - أرجوك يا سيدتي لا تقسي على نفسك كثيراً.
- أرى الدمار يحدث بيننا من جديد.. إنه منظر مرعب يتخايل أمامي دائماً.


:

يـتـبع ..

:


اضافة رد مع اقتباس
  #17  
قديم 30/03/2010, 11:12 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441

-4-



عاد عامر و سمية.. إلى العجوز.. كانت قد نامت من جديد، وطلبت منهما الخادمة أن يصمتا ويراقبا العجوز التي غفت قليلاً ثم استيقظت وهي تنظر نحو عامر بحزن..
حكت بعضاً من أحلامها وخيالاتها.. ثم حكت لـ عامر عن زمنه الصعب وأنبأته أن أياماً حالكة شديدة السواد ستبدأ في زمنه.. سيموت الكثيرون، من الجوع، والقهر والاختناق.. والمرض الصعب المنتشر كالوباء..
(( آه يا بني تبدو مستغرباً نظرتي هذه.. ولكن لا بأس ستجتاز كل الشدائد التي ستمر بها.. ليال حالكة السواد ليس فيها سوى الكوابيس ستحيطك من كل جانب.. زمنك سيكون فيه الموت وسيموت الكثيرون من الجوع والقهر والاختناق والمرض الصعب المنتشر كالوباء.. لا.. لا ..))
- ما بك يا أمي؟
(( ارحل يا بني من هنا أنت و سمية، سأراكما فيما بعد.))
همست الخادمة:
- بسرعة.. ستأتيها الحالة بسرعة ولا تريد أن يراها أحد وهي تدخل فيها.
- أية حالة؟ لم أفهم؟
رجتهما الخادمة أن يخرجا.. سألها وهما يخرجان:
- ألا تزورين أمك كثيراً يا سمية؟
- إنها تعتكف باستمرار، وأحياناً تخرج من عزلتها فتستدعيني أو تستدعي والدي، أو أي شخص آخر من المدينة..
- إنها إنسانة عظيمة يا سمية.. لم أر في حياتي مثل نظراتها التي تفيض بالطيبة والحنان.. إضافة للذكاء والشجاعة..
- منذ سنوات وهي في عزلتها الغريبة تلك.. ليتني أقيم معها، هي لا تسمح لي بذلك.. وهي صارمة في قرارها.
اتجهت نحو الطريق المؤدي إلى خارج المدينة:
- إلى أين تذهبين الآن، إنه الليل بظلامه ووحشته.
- بل إنه الليل بسمائه الصافية ونجومه اللامعة وقمره الفضي البديع.
- معك حق..
همهم : ((يا لقلبي المعذب كيف لم أنتبه لكلماتها؟))
- إنها ليلة ندية، يا عامر، وهذا الهواء الخفيف مع بداية إيغال الظلام قد يعني أن العواصف الرملية قد تبدأ قبيل منتصف الليل وربما استمرت حتى الفجر..
- ألا تخيفك العواصف الرملية يا سمية؟
- أشعر بها قبل أن تبدأ أو ألجأ إلى الكهوف و المغاور الموزعة حول الجبل طوال مدة عصفها.. أو أعود إلى المدينة وهي محمية من العواصف والزوابع مهما كانت قوتها..
- تخرجين لوحدك كثيراً؟
- أحب الشرود والعزلة أحياناً.. جو الصحراء يسحرني بجماله وهدوئه..
- أتعرفين، أنت أول فتاة أقابلها في حياتي تتمتع بهذه الشفافية، بسيطة.. واثقة من نفسها.. ذكية أكبر من عمرك الحقيقي بكثير.
- آه يا عامر أشعر بالخوف دائماً من المستقبل، اللقاءات القليلة التي التقيت بها مع والدتي.. غرست فيَّ هذا الخوف من الآتي..
- حياتكم ليست سهلة يا سمية.. لم تدخل التقنية إليكم بعد.. أنتم بعيدون عن الحضارة.. وربما كان هذا أحد أسباب بقائكم وأنتم تتمتعون بهذه الميزات الفريدة من النقاء..
تردد صوت عواد ذئب ليس بعيداً عن مكانهما :
- أنت تحسن الظن بمجتمع مدينتنا أكثر مما يجب.
شعر بالخوف وعواء الذئب يقترب:
- كأن ذلك الذئب أصبح قريباً" منا.
- الذئب الوحيد لا يخيف.. إنه يبحث عن صيد سهل لا يتعبه.. أنت خائف؟ هي أول مرة تعيش فيها مثل هذه الأيام في صحراء تمتد بلا نهاية.. لم تر ما في الصحراء من أسرار.. حتى حيواناتها الغريبة لها أسرارها..
زمجر الذئب قريباً منهما كأنه يصارع حيواناً قال عامر:
- كأنه عثر على طريدته.. وهي تحاول الهرب منه..
- هذا ما يحصل فعلاً.. يبدو أنك تتعلم بسرعة يا عامر..
- بدأ القمر يختفي خلف التلال البعيدة.. الرياح تتحرك من جديد.
- لم يحن أوان الزوابع الرملية بعد. أتريد العودة إلى المدينة؟
- لا يا سمية، أتمنى أن نبقى معاً لوقت طويل.. أنت.. أنت..
- قل.. ولا تخجل.. ماذا عني؟
كانت الرياح قد بدأت تصفر:
- لا أدري ما أقول لك.. أنت.
- قل يا عامر.. الرجل عندنا لا يخجل من البوح عما في قلبه.
- إنه شعور لم أعرفه من قبل، لا يمكنني وصفه.. لا يمكنني التعبير عنه.. شعور من عثر علي شيء فيه كل حياته وسعادته"كنبتة عطشى للماء، هطل عليها المطر".
- يبدو أن الصحراء علمتك نطق الشعر يا عامر.
- بل أنت من علمني الشعر يا سمية.. أنا أحبك..
همست وهي تتنهد :
- أعلم ذلك.. هيا يا عامر بدأت حركة الزوابع.. يجب أن لا نقع في دواماتها القوية..
كانت الرياح قد بدأت تحرك الرمال في زوابع دوّارة وكان عامر يفكر:
- (آه يا إلهي كم أشعر بـ السعادة لقد ارتجفت حين وضعت يدي على كتفها، هي تحبني إذن)


:

يـتـبع ..

:


اضافة رد مع اقتباس
  #18  
قديم 31/03/2010, 11:57 AM
زعيــم متواصــل
تاريخ التسجيل: 02/06/2008
مشاركات: 169
متابع متابع متابع

لا تطول علينا <<< متحمس بقوة
اضافة رد مع اقتباس
  #19  
قديم 31/03/2010, 01:57 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441
إقتباس
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة oOo alzaeem oOo
متابع متابع متابع

لا تطول علينا <<< متحمس بقوة

عوافي اخي الكريم ..

:

البقية : الليلة : إن شاء الله ..
اضافة رد مع اقتباس
  #20  
قديم 31/03/2010, 03:21 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ A L 7 Z N
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 14/08/2001
المكان: { كنت في قلبه ملاك .. واليوم مع نفسي أصيح !!
مشاركات: 2,382



حماس
الله يعطيك الف عافيه , بإنتظار الأجزاء القادمه
لكن لي طلب لو تكرمت
ياليت تحط قبل الجمل اسم المتحدث
مثلا
عامر : ........
سميه : ........
اضافة رد مع اقتباس
  #21  
قديم 31/03/2010, 10:36 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441
إقتباس
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة A L 7 Z N



حماس
الله يعطيك الف عافيه , بإنتظار الأجزاء القادمه
لكن لي طلب لو تكرمت
ياليت تحط قبل الجمل اسم المتحدث
مثلا
عامر : ........
سميه : ........


أهلا وسهلا بالـ حزن ..
لـ إسمك وقع على قلبي ..
ربما هو لأنه أرق و الأكثر تأثيراً على وتر حياتي ..

الـ حزن ..

شاكر لك ملاحضتك ..

:

كن معي يا زميل طـلة 2 ..

:

اضافة رد مع اقتباس
  #22  
قديم 31/03/2010, 11:03 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441


الـ جزء الـ خامس ..



كان شعوراً جميلاً انتاب عامر وهو يدلف مع سمية بين الفتحات الصخرية في الطريق الهابطة إلى المدينة ظلت سمية صامتة وهي تشده بأصابعها، حتى وصلا إلى البيت، كانت إحدى الخادمات بانتظارهما..
قالت لهما بلهفة:
- إنها بانتظاركما الآن...
- أمي تنتظرنا؟ هيا يا عامر.. هل هي وحدها؟
- سيدي حمدان هناك أيضاً.
- والدي هناك؟ لابد وأن الأمر شديد الأهمية..
فتحت لهما الباب فدلفا إلى الداخل، كان الشيخ حمدان يجلس قرب رأس العجوز الممددة في فراشها:
- كيف حالك يا أمي؟
- اجلسي إلى جانبي يا ابنتي.. وأنت يا عامر اجلس هنا.
- خير يا أماه أراك ترغبين بالحديث إلينا، هل هو مهم إلى هذا الحد أن تشغلي نفسك بنا؟
- ماذا تقولين يا سمية.. أنتم همّيَ الوحيدُ في هذه اللحظات.. اسمعي يا ابنتي.. واسمعني يا عامر.
- نعم يا خالة.. أنا أصغي إليك ومتشوق لمعرفة ما تريدين.
- قدرُك أن تَفِدَ إلينا من زمن غريب عنّا.. وقدرك أن تعشق ابنتي، وهي بالتأكيد تبادلك الوُدَّ، رغم خوفها من المستقبل.. ولكن استمع إلي جيداً.. طلبت من حمدان أن يحكي لك قصة مدينتنا.. إنها قصة هامة جداً لمستقبلكما معاً أنت وسمية..
- لم أفهم يا خالة ما تقصدين؟
- ستفهمُ كل شيء حين يحكي لك حمدان القصة كما كتبها أجدادنا.. كنت نائمة في نوبات أحلامي العجيبة.. رأيتكُما معاً، كنتما تتحادثان بهدوء.. والقمرُ يختفي خلفَ التلال.. كان قلبُك يضربُ بعنف، وأنت تشعر بأنفاسِ سميّة قربك.. ومنذ أن رأيتُك للمرّةِ الأولى وأنا أعلم أن شيئاً هاماً ينتظرك هنا.. لم أعرف عنه أيةَ تفاصيلَ بعد..
قال حمدان: - هل نتابع البحث في تلك الكثبان الرملية عن ذلك الشيء الحديدي الذي يريده عامر؟
- ليس بعدُ يا حمدان.. احكِ له القصة أولاً.
- كما تشائين..
- وأنت يا سمية، يجب أن تظلي هنا إلى جانبي، بعضُ الناس سيأتون إليّ يرغبون أن أحِل لهم مشاكلهم، أرجو أن تساعديني في ذلك، أحتاجُك لبعض الوقت.
- كما ترغبين يا أماه.. سأبقى إلى جانبك.
سأل حمدان: - أتريدين شيئاً آخر يا أم سمية؟
- آه يا حمدان، أبنائي الشبانُ رحلوا واختفوا ولا نعلمُ عنهم شيئاً كم تذكرني بهم عندما تنادينني بـ(أم سمية).
بكت سمية: - أنا إلى جانبك يا أمي أنت كُل شيء في حياتي.
- بارك الله فيك يا ابنتي.. يمكنُكَ الانصرافُ الآن يا عامر مع الشيخِ حمدان.. أتمنى لك التوفيق.
همهم عامر.
- في حفظ الله يا خالة..

:

خرج عامر وفي ذهنه اختلطت المشاعر، وهو مستغرب تلك الأهمية التي أبدتها العجوز لـ حكاية المدينة.. وعلاقة مستقبله و سمية بتلك الحكاية.. أشار له حمدان أن يتبعه.. تغلغلا في أزقّة المدينة الضيقة التي أضاءتها مصابيح قديمة الطراز، تشتعل بوقود خاص..
انحرف الشيخ حمدان نحو فتحة في جدار صخري ولج داخلها وخلفه عامر.. ثم توقف أمام صخرة، ضغط على بزّال في الجدار فتحركت الصخرة ليظهر خلفها كهفاً كبيراً.. أشعل حمدان مشعلاً معلقاً من أحد المصابيح.. وضغط على(بزّال) آخر لتعود الصخرة وتتغلق عليهما.. كان كهفاً واسعاً انتشرت فيه كتل ضخمة ملونة.. وصناديق مكعبة الشكل.. اقترب الشيخ حمدان من أحدها وجرّه إليه.. وأشار إلى عامر أن يجلس فوقه ثم جلس على صندوق آخر مكعب الشكل بعد أن وضع طنافس مريحة تحتهما..قال لـ عامر :
- اسمع يا بني، لو لم تعطني أم سمية الإذن لما أطلعتك على هذه الأسرار التي أحتفظ فيها عن دمار مدينة(مودس).
- ولماذا يا عمّاه انتظرتَ إذنها؟ ما العلاقة بينها وبين الحكاية؟
- هذا السرّ لا يُعطى إلا لمن يستفيد منه، إنه سرّ له دلالات كبيرة يجب على من يعرفه أن يسعى لإفادة الناس منه..
- أتعتقدني مؤهلاً لذلك؟
- بالطبع وهذا ما قررته أم سميّة.
- أرجو من الله أن أكون على قدر هذه المسؤولية.
سحب صندوقاً خشبياً طويلاً مزخرفاً من بين ركام الأثاث:
- هذا الصندوق يحوي أوراق جدي الأكبر الذي عاصر مرحلة دمار المدينة، وقد فصّلها تماماً..
فتح الشيخ الصندوق بمفتاح معلق في صدره فرأى عامر أوراقاً مخطوطة بلغة لم يستطع قراءتها.. شعر حمدان باستغرابه فقال:
- إنها لغتنا القديمة، لغتنا الحالية اشتقت منها.. على كل حال أنا سأقرأ لك المخطوط وأرجو أن تنتبه جيداً.
- حسناً يا عماه.. ابدأ أرجوك.
- توكلنا على الله.. بسم الله الرحمن الرحيم
((أنا فاضل بن علي المودسي، أكتب هذا للناس الذين سيأتون من بعدي وأتمنى أن لا يقرأ هذا المخطوط سوى الذين يؤمنون بالإنسان ونزعة الخير فيه.. ويحاربون الفساد والرشوة والأنانية والجشع ويقفون ضد من يعتدي على حرية الإنسان وإبداعه..
فكر عامر: ((لقد رأت العجوز أنني من بين هؤلاء الذين يحاربون الفساد والجشع ويقفون ضد من يعتدي على حرية الإنسان.. الحمد لله)).
عاد يستمع لصوت الشيخ حمدان.
- كنت طفلاً مدللاً لكبير مستشاري الأمير كعب أمير(مودس) وكان أبي شيخاً كبيراً حكيماً وقد سلّم كعب ابنه الأمير سلطان ولاية العهد، وأوكل إليه الاهتمام بالقضايا الكبيرة في المدينة.. وكنت أحد أتباعه ومستشاريه.. رغم صغر سني وفي أحد الأيام كنّا نجلس حول الأمير سلطان في إحدى أماكن لهوه، كنت أحدثه عن جارية جميلة أمتلكها:
- وماذا حدثَ لكَ بعدَها يا فاضل؟
- لاحقتها يا مولاي ولم أتركها تفلت من يدي، وهي الآن جارية في قصري، دون علم أهلها.
- أريدُ أن أراها.. قد تُعجبني.
- هي جميلة يا مولاي، وهي هدية مني إليك.. سأذهب لأحضرها.
- لا تتأخر يا فاضل.. سأنتظرك على أحر من الجمر..
- لن أطيل الغيبة يا مولاي.
خرجت مسرعاً من ذلك المكان وبينما أنا في طريقي لقصرنا، رأيت رجلاً مسناً يبكي بحرقة.. اعترض طريقي بهدوء قبل أن أدخل القصر..
- أرجوك يا سيدي.. أعد لي ابنتي.
- أية ابنة أيها الخرف.. ماذا تقول؟
- ابنتي(ميدا) التي خطفتها من حيّها وقرب باب بيتها.
- ابتعد أيها المخبول، قبل أن آمُر الخدم بإلقائك في السجن.
- هي وحيدتي و أنيستي كيف لي أن أعيشَ دونها؟ أرجوك يا سيدي أستحلفك باللّه..
- ابتعد عني،
دفعته فسقط أرضاً ثم دخلت من الباب.. قال لي أحد الخدم:
- هل أزعجك ذلك المسن يا مولاي؟
- نعم، إنه وقح وملحاح.
- ما رأيك لو أرحناك منه.. طعنة صغيرة في الصدر.
- لا.. لا داعي لذلك، أين الجارية الجديدة؟
- إنها في غرفتها.. هل تريدها؟ سنرسل من يحضرها لك؟
- حسناً.. بسرعة.
- أمرك يا مولاي.
كان اسمها(ميدا) وهو اسم جميل.. وكنت واثقاً أنها ستعجب الأميرَ، وسأطلب الكثير من الأمير بعد أن يضمها إلى جواريه.. أحضروها إلي كانت ترتجف من الخوف:
- ماذا تريد مني يا سيدي؟ هل ستطلقني لأذهب إلى أهلي؟
- لا أهل لكِ.. وليس سوى والدك الهرِم.. وقد مات.
انفجرت تصرخ بحزن: -لا.. لا.. أبي مات؟
- لماذا أنت حزينة عليه؟ إنه على حافة القبر.
- آه.. يا أبي أمعقول أن تموت وأنا بعيدة عنك، لابد وأن القهر أصابك بعد اختفائي.
- هيا امسحي دموعك.. سنلبي دعوة الأمير سلطان.
- اتركني أرجوك ليتني أموت وألحق بك يا أبي.
- امسحي دموعك.. وهيا.. بسرعة تعالي إلى هنا.. ستذهبين معي رغماً عن أنفك،
- لا.. لا.. آه.

:

يـتـبع ..

:

اضافة رد مع اقتباس
  #23  
قديم 01/04/2010, 11:10 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ BaRcaAaWey
زعيــم متألــق
تاريخ التسجيل: 19/04/2007
المكان: جدة - الكامب نو
مشاركات: 1,432
أخوي تكفى نزلها بسررررررررررررررررررررررررررعة

ما أحب الإنتظار

تكفى إذا قدرت تنزل الباقي كله مرة وحدة نزله


متابع وبصمت
اضافة رد مع اقتباس
  #24  
قديم 01/04/2010, 11:26 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441

الـ جزء الـ سادس ..



وحكى حمدان كيف اندفع فاضل يخرج(ميدا) من القصر، ويتجه نحو عربته التي جهزها له خدمه.. ويبدو أن والدها المسنّ قد رآها تدخل العربة و فاضل يجرها وهي تبكي فاندفع نحوها فيما تحركت العربة.
ورغم ضعف الشيخ، فلقد هزَّه منظر ابنته الباكية فهرع بكل طاقته وربما بطاقة الفجيعة التي تملكته خلف العربة حتى تعلّق بأحد نتوءاتها وظلّت تمشي بسرعة كبيرة، ولم يستطع أن يتمالك نفسه فسقط وقد تعلقت يداه بالنتوء، وجسمه ينجرُّ بقسوة على الطريق.. و أكمل يحكي على لسان جده:
"قلت لـ ميدا وأنا أرى دموعها تنهمر:
- كدنا نصل، إن لم تتمالكي نفسك سأقتلك، أفهمت؟
- اقتلني أرجوك.. لا أريد أن أحيا بعد أبي.
- هه.. وصلنا.. أوقف العربة هيا أيها الحوذي.
- حاضر يا مولاي.
ثم طلبت من الحوذي أيضاً أن يساعدني في السيطرة على الصبية المتمردة.. كان الناس قد تجمعوا حول العربة يراقبون جسد الشيخ المشوّه وأنا أصرخ دون أن أنتبه في وجه ميدا:
- لن ينفعكِ بكاؤك.. إن لم تدخلي القصر مبتسمة سأذيقك الويل.
نبهني الحوذي: - انظر يا مولاي، يبدو أنه تعلّق بالعربة وجرّته لمسافة طويلة.
صرخت الفتاة مفجوعة تتأمل الجثة المشوهة: - أبي.. أبي.
- إنه والدك إذن.. أبعدوها عنه.
ولكنها بدت كأنها التصقت به.. أصبحت مضرجة بدمائه.. قال الحوذي مصعوقاً:
- مولاي .
- ماذا أيها المخبول؟
- إنها لا تتحرك.. لقد ماتت.
- ماذا؟ فعلاً.. لقد ماتت كيف حدث ذلك؟
أثّر بي هذا الحادث كثيراً.. وبدأت أفكر بالأسباب التي جعلت تلك الصبيّة الفاتنة تتأثر إلى الحدّ الذي جعلها تموت وهي ترى والدها في منظر مخيف شوهته الحجارة التي جرته العربة فوقها طوال الطريق.. بدأ شيء ما في صدري ينزف، ويدفعني للتفكير فيما حولي.. وفي تلك الليلة أرسل الأمير رسوله إلي، يطالبني بالجارية.. فاعتذرت له بأنها ماتت.. ولكني لم أستطع الابتعاد عن مواجهته في اليوم التالي.. في وسط جو صاخب ضاحك.. الجميع فيه يعاقر الخمرة.
- لماذا أنتَ مهموم يا فاضل؟ حزين على الجارية؟
قال أحد الموجودين ضاحكاً:
- بل هو حزين على المكافأة التي تسربت منه..
- إن كنت حزيناً على المكافأة، سأَجزيكَ مكافأةً كبيرة، وإن كنت حزيناً على الجارية سأهديكَ أجمل منها بكثير.
- إنه شارد يا مولاي.. ربما يتذكر لياليه معها.
- كانت جميلة القدّ دافئة إذن؟ هه؟
قلت حزيناً: -أنا آسف يا مولاي أشعر بتوعك منذ البارحة،
- حزين عليها؟
- إنه الطعام يا مولاي.. أكلت منه أكثر مما ينبغي... (كنت أبدو كالمريض فعلاً) قال الأمير:
- لا بأس.. سأعرضُك على طبيبِ القصر.
أمر أحدهم: - اصطحبهُ إلى طبيبنا المعروف، اذهب معه يا فاضل.. وأرجو أن تتحسّن صحتك على يديه .
- شكراً لك يا مولاي.
- لا تُطِل غيابَك عنّا يا فاضل، لماذا عمَّ الصمتُ مجلسكم أيها الأصحاب هه؟ لتحضرِ الراقصات والشراب.. ولتتمتّعوا..
فكرتُ مصعوقاً: ((ما أكثر الضحايا الذين ينتهون في هذا المكان دون شفقة؟)).

:
يـتـبع ..
:



اضافة رد مع اقتباس
  #25  
قديم 01/04/2010, 11:31 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441
إقتباس
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة BaRcaAaWey
أخوي تكفى نزلها بسررررررررررررررررررررررررررعة

ما أحب الإنتظار

تكفى إذا قدرت تنزل الباقي كله مرة وحدة نزله


متابع وبصمت




:

معذرة على التأخير عزيزي ..

:

بـودي أن انتهي منها و ارضيك ..
لكن ما بـ اليد حيلة ..

:

حلمك علي يا كريم ..
وإن شاء الله كل شيء بيرضيك ..

:

اضافة رد مع اقتباس
  #26  
قديم 02/04/2010, 01:01 AM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441


تنبيه :: هذا الـجزء تم إنزاله خوفاً من بعض الأحباب عبر الخاص الذين أضحكوني و أمتعوني ..




الـ جزء الـ سابع ..


و قرأ حمدان باللغة المودسيّة الشبيهة بالعربيّة، كيف بدأ جده الأكبر فاضل ينتبه لما يحدث في المدينة وكيف كان الأمير كعب وحاشيته يُسيطر على مقدرات المدينة، وقد جمع الأمير سلطان بنُ كعب حوله شباناً صغاراً يلهثون وراء المتع، ويتغنون بحكمته وشجاعته ويسبلون عليه الألقاب التي هي بعيدة عنه كل البعد..
كان في سبيل المتعة والتسلية يدفع بالأبرياء إلى حلبات الوحوش المفترسة، وكان الناس يعانون من الظلم والقهر والجوع..
انتبه فاضل بن علي المودسي لما يحدث في المدينة، وكان والده قد اعتزل الناس، بعدما غضب عليه الأمير كعب لأنه نبهّه إلى العنف الذي يسوم به ورجاله الناس.
اتجه فاضل نحو المكان الذي كان ينزوي فيه الكهل، لم يكن قد رآه منذ فترة طويلة وقد أقصاه الأمير ومنع الناس عنه.كان يعيش في عزله تامة وهو في سنّ متقدم دون رعاية .. ولم يدر فاضل كيف يدخل إليه وقد سُدَّ الباب بالحجارة الضخمة.. دار حول المكان يفتش عن ثغرة..
ولم يجد شيئاً، بدا له المكان معتماً أشبه بقبر.. وبينما هو يجول حائراً انتبه على صبيّ يشدّه من يده.. كان صبياً هزيلاً بدت عليه ملامح الجوع الشديد.. تبع الصبي، فوجد مكاناً مغطىً بالحشائش أشار له أنه يزيل هذه الحشائش فخلفها فتحة تفضي إلى الكهل الحبيس.. مد يده إلى جيبه يستخرج صرته العامرة بالدراهم، أعطاه بعضها، ثم أخذ يزيل الحشائش بهدوء لتنفتح له الثغرة.. وقبع الصبي قرب المكان وهو يشير لفاضل أنه سيعيد الحشائش من جديد إلى مكانها حتى لا يلحظ أحد دخوله..
ابتسم له بود وولج من(الثغرة) إلى داخل المكان المظلم.. أخذ ينادي والده:
- أبي.. أين أنت؟
كان المكان مظلماً وليس من بصيص للضوء..
سمع صوته:
- كنتُ أتوقعُ مجيئك يا فاضل.. بدأت تعي ما يحدث يا بني، ارفع الغِطاء أمامك في اتجاه الصوت، إنه ساخن قليلاً سيعود الضوء للمكان.. إنه غطاءُ مصباحٍ كبير..
رفعه فانبعث الضوء يغمر المكان: - يا إلهي.. أبي.. ماذا حدث لك؟ تبدو هزيلاً مريضا.
- أنا بخير يا بني.. المهمُ أن تنتبه لما يحدث للناس، أن يعودَ إليك وعيك وتميّز الظلم.. الكارثة قادمة ولا رادَّ لها.. آه يا بني، اقترب مني قليلاً
- ها أنذا يا أبي.. بين يديك..
فكّر قلقاً: ((إنه لا يرى.. أبي أعمى آه يا إلهي)).
- أنا أعرف ما يجولُ بفكرك، أنا فقدتُ بصري بالفعل، لأنه لا حاجةَ لي للبصرِ وأنا حبيس هنا، لا أرى شيئاً.. تفتح داخلي على طاقات كبيرةٍ جعلتني أُبصر الغيبَ وأتنبأَ به.. أعطاني الله سبحانه وتعالى القوة لذلك.
- وما الذي تراه يا أبي؟ قل لي أرجوك.
- سيزداد فساد الطغاة، ويزدادُ الأذى والظلم وأريدُ منكَ أن تحكي عمّا يحدث للناس، أن تكتبَ ذلك، أن تصفَه بدقة، فهو إرثنا للأجيال القادمة.. يجب أن يعرفوا الكثير عن هذا الماضي العكِر.. اسمع يا بني، انزوِ في مكانٍ بعيدٍ ولكن بعدَ أن تدور بين الناسِ وتعرفَ عنهم الكثير..
اكتب عن متاعبهم وتعاستِهم وظلمهم، وصف ما يعانون وما يفعلُ بهم أولئك الطغاة الذين استعبدوهم..
- أعدك يا أبي.. سأفعل كل هذا.
- سيضايقونك، ولكن كن صلباً، ولا تخف، لقد تعرفتُ على الحقيقة بنفسي، وجابهتُ في سبيلها الكثير وسأموتُ في سبيل الزود عنها، وعن الحق..
رأى فاضل والده وهو يتضاءل وينكمش ويصغر حجمه بالتدريج، أذهلته المفاجأة
صرخ: -ما الذي يحدث؟ أبي يتضاءل وينكمش؟
- لا تنسَ يا بني.. لا تنسَ ما قلتُه لك
- أبي.. أبي.. ماذا هناك؟ ما الذي يحدث لك.. أسمع أصواتاً غريبة.
- وداعاً يا بني.. حانت لحظةُ رحيلي عن عالمكم.
- أبي.. أبي.. إنه يتضاءل يختفي.. كيف حدث ذلك.. يا إلهي.
وروى فاضل لحظات ذهوله بعد اختفاء والده، ثم كيف توجه نحو باب الخروج فوجد الجند بانتظاره ووجد جثة الصبي الصغير مضرجة بالدم إلى القرب من الثغرة التي كانت مغطاة بالأعشاب..
كان مراقباً دون أن يدري.. ولاحقوه، حتى دخل الثغرة وبينما كان الصبي يسوّيها بالأعشاب.. طعنوه من الخلف.. وأبعدوه عنها..
وحين خرج فاضل وجد نفسه بينهم، عاثوا في المكان بحثاً عن الكهل فلم يعثروا عليه.. فسيق فاضل إلى الأمير سلطان..
- خُنتني أخيراً يا فاضل؟ أين أخفيتَ ذلكَ المتمرد؟
- لم أخنك يا مولاي.. ووالدي مات.. أصيب بمرض حوله إلى تراب.. ومع الأسف الشديد يا مولاي..فلقد أصابني بالعدوى سأموت بمرضه.. وأتحول إلى تراب.
- ماذا تقولُ أيا المخبول؟
- الحقيقة.. يا مولاي، ألم يبحث رجالك عنه، هل وجدوا شيئاً غير التراب؟ لا.. لقد مرض أبي ومات وتحوّل إلى تراب، إنه مرض يحيل الإنسان إلى كومة من التراب بعد أن يتمكن منه.. وقد أصابتني العدوى..
- العدوى؟ كيف تحدّثُ هذه العدوى؟
- من يلمسني يا مولاي من يقترب مني يصيبه المرض الذي ينهش ببطء أعضاء الجسم، ويحولها إلى تراب.. آه.. من هذا المرض.. آه يا أبي، أعطيتني شيئاً لا أستطيع الخلاص منه..
صرخ: - أبعدوا هذا عني.. وألقوه في الأحياء الفقيرة يمرض سكانها ويحولهم إلى تراب.. هيا..

:

وقرأ حمدان ما كتبه فاضل عمّا جرى له بعد ذلك.. وكيف انتشر بين الفقراء يبصّرهم بواقعهم.. دون جدوى كانوا أشبه بالموتى.. كان عامر يستمع بشغف للشيخ حمدان..
((هنا يصفُ جدّي الأكبر ما حلّ بالناس وقد انقلبت مفاهيمهم للحياة وانتشرَ الزيفُ والفساد والنفاقُ والجشع، وبدلاً من أن يحمي الفقراء أنفسهم مطالبينَ بالعدالة، استسلموا لمن يحكمُهم بعُبوديّة طاغية، وهذا ما حولهم إلى أشباه بشر بلا حس ولاعاطفة.وهو يقدم هنا أمثلةً ((غريبةً أمرٌ غريبٌ فعلاً))
- ماذا يا عماه؟ اقرأ لي من فضلك ولا تترك شيئاً.. أريد أن أعرف القصة بكاملها..
- حسناً.. يقول جدي الأكبر..
((كان الأمير سلطان قد استولى على جميع ممتلكاتنا بعدما زرت والدي تلك الزيارة المحزنة.. كنت أعيش حياة التشرد والفقر، وقد ابتعد عني الجميع.. نظراً لما نشره عني الأمير من أخبار حول مرضي المعدي الذي يحول الإنسان المصاب به إلى تراب خلال فترة محدودة.. كنت تحت شجرة(خرّوب) كبيرة أسند رأسي إلى جذعها وقد تناهت إلى سمعي أصوات تغريد الطيور.. حين سمعت صوتاً خلفي:
- ماذا تفعل هنا أيها التعس؟ لماذا لا تشاهد حفلةَ الإعدام هه؟
كان رجلاً هزيلاً محني الظهر ينظر لي بحذر:
- حفلة الإعدام؟ ما الذي تقصده؟
- اكتشف الأمير سلطان أن بعض الفقراء سرقوا الخبز من مطابخه، وقد جهّز لهم حفلة إعدام كبيرة.. وطلب من الجميع حضورها..
- وما صفتك أنت حتى تدعوني لحضور هذه الحفلة؟ هل أنت من أتباعه؟
- لا.. أيها التعس.. لست من أتباعه.. أنا رجل بسيط لا أتبع أحداً، ولا أملك في هذه الحياة شيئاً سمعت يوماً ذلك الشيخ الجليل(علي المودسي) يحكي عن الظلم ويطالب الناس بالتحرك فأثرت بي كلماته، ولكني لم أجد مجالاً للحركة، فلجأت إلى هذه الجبال ألعنُ عجزي وقصوري.
- وكيف سمعت إذن بتلك الحفلة؟
- كنت في أول يوم تجوال لي بعد عزلتي، أتنقل في المدينة أرى ما آلت إليه أحوال الناس..
- وانتهت حفلة الإعدام؟
- لم تبدأ بعد.. رأيت بعض الجنود كانوا يسوقون الناس إلى الساحة الكبيرة في المدينة، سمعتهم ينادون ويصرخون مطالبين الجميع بالحضور إلى هناك، ومن لم يحضر فسيكتشفون عدم حضوره ويعاقبونه.
-ولماذا ناديتني بهذا الاسم(التعس)؟ ولا أراك متحمساً لحضور الحفلة؟
- تبدو متشرداً مثلي.. قلت لنفسي((منظرك يوحي بالرثاء والشفقة)) قد يعاقبك الجند، لذلك نبهتك إلى الحفلة وضرورة حضورها.
- ألا ترغب بحضورها أنت؟
- سآوي إلى الجبال هرباً من ذلك.. قد أموت ويتوقف قلبي حين أرى حفلة الإعدام تلك.. أنا ضعيف البنية، شديد الحساسية.
- لذلك أنت دون فاعلية، لا تؤثر على أحد.. ؟ اذهب معي إلى حفلة الإعدام ولا تخف.. قد تثير همم الناس بمقاومة الظلم.
- أنت.. الذي تبدو أشبه بشبح من الهزال والضعف؟
- لا تخف، مازال جسمي قوياً، وقلبي ينبض بروح المقاومة..
صرخ الرجل فجأة: - هاقد اقترب الجند من مكاننا.. سأسرع في الاختفاء.
قلت بغضب: - أيها الجبان الرعديد.
قال بخوف وهو يبتعد: - قل ما شئت، الهرب هو سلاحي الوحيد.
والتف الجنود حولي: - لماذا أنت هنا أيها المتشرد؟
- خير؟ ماذا تريدون؟
- الناس يتجمعون في الساحة الكبيرة، هناك حفلة عظيمة يقيمها سمو مولانا الأمير سلطان.. هيا تحرك إلى هناك قبل أن ألهب ظهرك بهذا السوط؟
- ولكني لا أستطيع السير.. جسمي ضعيف..
- سنوقظ فيك روح القدرة على السير..
انهالوا علي بالسياط فصرخت: - حسناً سأحاول أن أسير.
وفجأة علا صوت بعيد يصرخ بهم: - اتركوه ماذا تفعلون؟
- ماذا يا سيدي؟
- إنه الموبوء.. سيصيبكم بأمراضه.
- الذي طرده مولانا الأمير من بلاطه؟
- نعم.. اتركوه.. إن رغب بالتفرج على حفلة الإعدام فسيندس بين صفوف الناس المعدمين ويصيبهم بالعدوى ..
- هيا نتابع تفتيشنا بسرعة..
قالوا ساخرين وهم ينظرون إلي ويبتعدون بقرف:
- انظروا إليه إنه بالكاد يقف..
- فتشوا تلك الغابة القريبة، وأحضروا من ترون من الناس إنها حفلة كبيرة، ورغبة مولانا الأمير أن يرى الجميع هناك كيف يتم إعدام من تسوّل له نفسه العبث بأموال مولانا.
همهمت وأنا أنهض: -لن تفوتني مثل هذه الحفلة..

:
يـتـبع ..
:

اضافة رد مع اقتباس
  #27  
قديم 02/04/2010, 08:46 PM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 09/12/2008
المكان: منتدى الهلال
مشاركات: 1,946
يا اخي كمل يرحم امك

حمستنا وخليتنا نستنى


متابع بصمت
اضافة رد مع اقتباس
  #28  
قديم 02/04/2010, 08:50 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441

الـ جزء الـ ثامن ..




اتجهت صوب مكان الحفلة، وأنا أرى الناس يتراكضون من كل مكان حتى لا يتعرضوا للعقاب.. كنت أشعر بحزن كبير لما آلت إليه الأحوال، أهكذا يستعبدهم الأمير كعب دون أن يقاوموا؟ اندسست بينهم أطل على الميدان الكبير، حيث رأيت في الجانب الآخر الأمير كعب وإلى يمينه الأمير سلطان اللذين كانا باللباس التقليدي الرسمي، كان كعب يجلس على كرسي من الرخام مثبت فوق مصطبة تطل على الساحة، وسلطان يجلس على كرسي آخر أصغر منه وأخفض منه مستوىً.. و دوّى النفير يعلن عن بدء الاحتفال.. وشاركت في حوارات الناس:
- لم يظهر البؤساء بعد؟
قال أحدهم: - من تقصد بالبؤساء؟ أتعني أولئك المجرمين الذين سطوا على مطابخ الأمير؟
- نعم.. وهم ليسوا مجرمين، لا يمكن أن تطالب الجائع بإسكات معدته بالصمت والصبر.. أفهمت؟
- انتبه الجنود حولنا في كل مكان.
قلت: - أنا ابن علي المودسي لا أخشى أحداً.. لم يركع والدي لهم.. ظلّ شامخاً رافضاً الظلم حتى مات.
- أنت الموبوء المريض بمرض والدك؟ هه.. ابتعد عنّا قد تنقل إلينا العدوى.
-إنها كذبة ساذجة انطلقت على أميرك الشاب وحاشيته.
- كذبت على الأمير؟ كيف تجرؤ؟
- يكفي، لماذا أنت مرتعب لهذه الدرجة؟ ما الذي يستطيع الأمير أن يفعله لكم لو كنتم متحدين متعاونين؟ هه؟
اقترب منّا رجل كان يسمع الحوار: -معك حق بالتأكيد
قال الأول: - بدأ الاحتفال.. ابتعد عني ولا تلمسني، سأتفرج على إعدام أولئك اللصوص .
- كما تشاء.. وإن كنت متأكداً أنك ستبلغ عني جنود الأمير.. شخصيتك الهشّة تدل على ذلك .
أخذت أتكلم بصوت مرتفع: - أمعقول أن يمثل بـ جائع يسرق رغيفاً بهذه الطريقة؟ إنه الظلم كيف للأمير أن يفعل كل شيء دون اهتمام منكم؟ أتخافونه إلى هذا الحد؟ معقول؟
وانبعث صوت أحد الجلادين: - هؤلاء الثلاثة الأوغاد سيُعدمون بقطع الرؤوس..
هكذا يرغبُ مولانا الأميرُ سلطان..
صرخ الأمير سلطان: - هيّا نفذوا فيهم الحكم.. فوق المنصّة.. اقطعوا رقابهم..
- حسناً يا مولاي.
وهمهم الأمير وهو يرى تنفيذ الحكم:- تدحرجت رؤوس الأوغاد الذين جرؤوا على الاقتراب من مطابخ مولاهم.. أحضروا المرأتين..
- حسناً يا مولاي الأمير..
وصرخ المنادي: - أتسمعون أيها الناس؟ هاتان المرأتان تسللتا إلى أحد مطابخ القصر، وحاولتا سرقة الطعام.. انظروا إليهما..
قفزت مرعوباً: - مستحيل، إنهما أمي و أختي.. كيف حضرتا إلى هنا.. لقد أرسلهما والدي إلى قرية بعيدة، إلى بيت أخيه الأكبر لتعيشا خوفاً من ظلم الأمير.. أمعقول؟ لا أصدق ما يجري.
كان الأمير يحاول إخضاع أمي: -ألن تعترفي أيتها المرأة بجريمتك؟
- لم أرتكب جريمة، حين جئت أسأل عن ولدي فاضل.. لم أكن أعرف أنك غضبت عليه، كما غضبت على والده..
- أمرٌ مثير للسخرية، تسألين عن المريض الموبوء الذي تتحوّل أعضاؤه إلى تراب؟ . إنه مثير للقرف ينشر العدوى في كل مكان.. كوالده..
- أنت لا تقول الصدق، ابني سليم الجسم.. كما كان والده.. أنا أعرفهما جيداً".. ألم يكن فاضل صديقك المقرب، ما الذي حولك عنه أخيراً"؟
- عثر عليه الجند في مكان عزلة والده، رفض أوامري بعدم الاقتراب من ذلك الجحر الذي يعيش فيه زوجك المخبول..
- لم يكن زوجي مخبولاً، كان يمقت الظلم والظالمين..
- ابنتك صبية حلوة، سأضمها إلى الجواري.. أتسمح لي بذلك يا أبي؟
قال كعب: - إنها هديتك يا سلطان، فكوا قيد الصبية وأحضروها إلى هنا.
كنت كالملدوغ: - يا إله السماوات كيف سأجتاز هذه الحواجز.. لأصل إليهما؟
صرخت أختي: -اتركوني أيها الأنذال.
قال الأمير: -لا تضايقوها.. ستأتي مرغمة إلي.. هيا يا جميلة.
همهمت أمي: - عفراء.. لا تستسلمي له يا ابنتي.
- لا تخافي علي يا أماه.
صرخ سلطان وهو يهتز: -تعالي.. تعالي.. أرأيت يا أبي، يبدو أنها الشخص السليم بين عائلة المودسي.
همهم كعب: - ستكون متعتك المقبلة يا بني.
لم أستطع الصبر على هذا الموقف أكثر من ذلك فدفعت من حولي مخترقاً الصفوف.
-ابتعدوا من هنا..
سألني من إلى جانبي: - ما الذي يجري يا أخ؟
- أمي وأختي أمام الطاغية.. يجب أن أصل إلى هناك.
قال: - لا تكثر من الضجيج حتى لا ينتبه إليك الجند.. سأوصلك إلى هناك.. تعال.
كان كعب يسأل سلطان: -وبماذا حكمت على المرأة يا سلطان؟
- هذه العجوز الشمطاء الطويلة اللسان.. ستوضع فوق المحرقة.
- حكم ممتاز.. والفتاة تصبح جارية لك.
صرخت أمي: - لن تصبح ابنتي جارية لك أيها الوغد..
وفجأة استلت سيفاً من سيوف الحرس:
- دافع عن نفسك أيها الوغد.. أتحدّاك..
- تجيدين استعمال السيف؟ هه؟ حاصروها بسرعة.. وأطلقوا حرابكم في اتجاهها.. هيا..
كانت أمي تجيد فعلاً استعمال السيف وكانت محاربة ماهرة.
صرخ سلطان: - وجهوا صوبها السهام من كل جانب..
وانضمت أختي إليها وقد تمكنت بغفلة من الحراس أن تستل سيف الحارس الواقف إلى جانبها: - أنا معك يا أماه.
كان سلطان يصرخ: -حاصروهما واقتلوهما.. هيا..
وكنت قد وصلت إليهما: - تشجعي يا أماه.. أنا قادم.
غمغم سلطان بخوف: - الموبوء.
قلت: - سأقترب منك وأنقل إليك العدوى.
قال الرجل الغريب الذي يساعدني: - تقدم لا تخف.. أنا أحمي لك ظهرك؟
بدا الوضع مستحيلاً، ولكن ذلك الرجل إلى جانبي، تمكن من إنقاذي وأمي وأختي، بإطلاق شيء قذفه بعدما أشعله، فأخرج ذلك الشيء ضباباً من الدخان، أعمى أعين الجند وأحدث ارتباكاً كبيراً ولم نشعر إلا ونحن مع الرجل في مكان ما تحت الأرض تضيئه المشاعل..
قلت له ممتناً لصنيعه:
- ما فعلته أشبه بمعجزة.. كيف أطلقت كل هذا الدخان؟
- طريقة تعلمتها من والدك، أنا أحد تلاميذه، صداقتك لسلطان أبعدتك عن معرفة والدك .
-ولمَ لم يهتم والدي بإبعادي عن سلطان؟
- لأنه رغب أن تكتشف الحقيقة بنفسك، علمني والدك الكثير وحين عرفت بنبأ اختفائه بعد عودتي من رحلتي الطويلة.. جن جنوني، شعرت كمن يفقد أحد أهم محاور حياته.. بحثت عنك طويلاً فلم أرك.. قيل لي أنك مريض، وتعتزل الناس، بعدما أصابك اليأس من محاولة إقناعهم بمقاومة الظلم..
كان المكان أشبه بكهف ضخم يتفرع إلى أنفاق وممّرات، تضيئها المشاعل، وفي بعض زواياه أثاث للنوم وصناديق فيها كتب ومخطوطات.. كان من الواضح أن الغريب يقيم فيه.. تجولنا قليلاً لنتعرف على ممراته وأنفاقه، كان هائل الاتساع. وقد أكد الرجل لنا: - أنه مكان لا يعرفه أحد، ستبقون فيه المدة التي تريدون.
- من الأفضل أن تذهبي يا أماه و عفراء إلى بيت عمي الأكبر في القرية البعيدة..(مودس) هذه الأيام تفقد توازنها، بفقدان أبنائها لعقولهم.
قال الرجل: -وأنا مع فاضل يا خالة.. من الأفضل لكما أن ترحلا.
- وأنت يا فاضل. ما الذي ستفعله هنا؟
- سأنفذ وصية والدي يا أماه.. سأبقى هنا أقاوم الظلم.
قالت أختي: -لم لا نبقى هنا معك، لنقاوم الظلم جميعاً"؟
- أرجوك يا أختاه.. لا مكان لكما هنا.. أعدك أنني سآتي إليكم حالما تأتي اللحظة المناسبة للقائنا من جديد..

:

وقرأ الشيخ حمدان صفحات جديدة من مخطوط جده الأكبر فاضل، حكى فاضل كيف أفسد كعب و سلطان الجميع، وسيطر عليهم بعبودية مطلقة، وجمع العديد منهم لينحتوا في الصخر بيوتاً..
وبدأت العملية بتواتر منتظم، وأشرف الأمير سلطان عليها، كان يعتبره المشروع الأهم في حياته، بنى بيوتاً من الصخر لجواريه، ونحت أمكنة للهو، وأمكنة لتكديس المال..
ونحت أقبية للمسجونين، ودفن العديد منهم وهم على قيد الحياة.. وتحولت مودس إلى مدينة مستسلمة لقدرها، وقد ساد فيها الفساد والكذب ووأد النفوس الخيّرة..

:

توقف الشيخ: حمدان عن القراءة قليلاً وهو يرمق عامر باهتمام.
- إنها قصةً محزنة، وما بقي منها أشدُ إيلاماً.
- استمر يا عماه، أريد أن أعرف ما جرى بعد ذلك، وكيف حدثت الكارثة..؟
أكمل متنهداً بحزن:
- ظلَّ كعبُ رُغمَ تقدمه بالسن، يتصيّدُ المتعة، ويتلّهى بتعذيبِ عبيدِهِ، ويقوّي من أزرِ ولده.. وازداد الظلم إلى حدٍ لا يمكنُ وصفه
- ولم ينفجر الناس بعد؟
- يؤكد جدي الأكبرُ أنه تمكنَ بصعوبةٍ كبيرة وبمعونةِ بعض تلاميذ والده من الوصول إلى إيجاد تجمعٍ للناس الذين انضموا إليه كي يقاوموا ما يفعلُه أتباع الأمير ووليُّ عهده.
- وكيف كان جدك الأكبر يا عماه، مستشاراً لكعب؟ هذا الطاغية الذي لا يرحمَ أحداً؟ أمر غريب فعلاً..
- كان كعبُ وليّاً للعهد، حين التحقَ والدُ جدي بالعمل في حاشيته، نتيجةً لنصيحة الأمير(قابس) والد كعب.. وقد رأى في والدي رجلاً حكيماً، قد يؤدب ولده ويرشده.. ولكن كعب الذي تزوج من ابنة أحد الوزراء قد تحول بالتدريج بعد وفاة والده وقد رأى السلطة جميعها في يده، والناسُ تدينُ له.. تحوّل إلى رجلٍ يجري وراء المُتعة، وحاولَ والدُ جدّي الأكبر إيقافه عن جُموحِه نحو المتعة بهدوء وصبر ولكنه لم يستطع، وأدى هذا التدخل المستمر من المستشار الحكيم، إلى أن يغضب عليه الأمير كعب، وجرى ما جرى.
- حكاية غريبة.. وماذا حدث لمدينة(مودس
- بعد أن كثرَ الفسادُ و الظلم؟ حسناً سأقرأ لك ما كتبهُ جدي الأكبرَ في نهاية مخطوطته:
((رأينا أحلاماً مخيفة لعدة أيام متتالية، كانت كلها تدور حول حرائق تصيب المدينة، وزلازل أرضية، وأجسام تتساقط من السماء وكأن تلك الأحلام نبهتنا إلى أن قدر المدينة أن تسير نحو الهاوية...
وهكذا اجتمعنا في مكان ما تحت الأرض، وقد ضاق المكان بنا، كان الذين انضموا إلينا قد أحضروا نساءهم وأطفالهم وأشياءهم الضرورية.. وهذا ما جعلنا نفتح السراديب على بعضها ليتوزع الناس.. ولم أنسَ تلك الأيام ولن أنساها.. في أحد الأيام كانت هناك امرأة تصرخ باسمي:
- يا سيدي فاضل.. يا سيدي فاضل.
- ما بك يا امرأة ماذا تريدين؟
- رأيته بعيني، رأيته بعيني، إنه يطير فوق المدينة.. طائر ضخم مخيف.. إنه شديد السواد، ويطلق أصواتاً مخيفة.
- ومتى رأيته؟
- قبل قليل.. خرجت أفتش عن ابني الذي يعمل حارساً عند الأمير سلطان..
- وكيف سمحوا لك بالخروج؟ ألم تعرفي أن الخروج من هنا ممنوع الآن.
- هذا ما جرى يا سيدي.. بحثت عن ولدي ولقيته.. طلب مني أن أبتعد حتى لا يراني أحد.. فيعاقبه الأمير سلطان.. ودعته وأنا أبكي وابتعدت، خائفة حزينة، جلست في مكان منزوٍ، وإذا بالظلام يحلُّ فجأة، نظرت إلى السماء لأرى ذلك الطير الأسود الضخم..
فكرت متسائلاً: ((معقول؟ تبدو صادقة وهي تروي الحادثة.. لا بأس يجب أن أستكشف الأمر)).
ثم قلت لها: - حسناً.. عودي إلى مكان إقامتك..
- وماذا ستفعل؟ أتعرف شيئاً عن ذلك الطير؟
- حتى الآن لا أعرف ماذا سنفعل، وبالطبع فقصة هذا الطير تبدو فريدة يا خالة..
- لم أر في حياتي طيراً بضخامته.. كأنه سحابة سوداء متكاثفة، لا تسمح بنفاذ الضوء.
- حسناً، عودي إلى مكانك بسرعة.
واقترب رجل آخر من رجالي: - ثمة شيء جديد يا فاضل.
- ماذا تقصد؟ ما الشيء الجديد هذا؟ أله علاقة بالمدينة؟
- نعم.. طيور سوداء كبيرة الحجم تجول حول المدينة.
- قالت لي تلك المرأة أن هناك طير واحد فقط.
- بل العديد من الطيور.. حراس المدخل حكوا لي عن ذلك.
- يجب أن نكتشف الأمر..
- ولكن بمنتهى السريّة لا نريد أن نحدث بلبلة.. لدى الناس
- معك حق.
((وخرجنا من فتحة سرية نستكشف الأمر، فرأينا طيوراً سوداء كبيرة تحوم فوق المدينة، كانت تحمل أجساماً سوداء في مناقيرها ومخالبها.. وهي تطير محوّمة.. وكان جند الأمير يطلقون نحوها السهام فلا تصل إلى الارتفاع الذي تطير به.. وقد استشاط الأمير سلطان غضباً وطلب من جميع جنوده طرد تلك الطيور الضخمة.. ولم تسفر محاولتهم عن شيء.. فقد ازداد عدد الطيور)).
حتى بالمشاعل والنار.. لم تكترث الطيور.. كان من الواضح عجز الجند والحراس وهم يخرجون بالعشرات من مناطق تواجدهم حول بيوت الأمير المنحوتة بالصخر..
ورأينا فجأة عجوزاً بوجه سمح تقترب منا:
- ماذا تفعلان هنا؟ عودا إلى المكان الذي تقيمان فيه.
سألتها باهتمام:
- لماذا تطلبين منا ذلك يا خالة؟
- لأن ما سيحدث سيكون رهيباً مرعباً.
- ومن أنت يا خالة، لماذا لا تختبئين ما دام الذي سيحدث سيكون رهيباً مرعباً؟
- لا تكثر من الكلام يا بني.. واذهب مع رفيقك إلى حيث المكان المناسب لاختبائكما.
وصرخت تحاكي الطيور:
- هيا أيتها الطيور تحركي، زلزلي الأرض، دمري هذه الصوامع المليئة بالفسق والظلم والفساد.. هيا أيتها الطيور..
كانت تركض مطلقة كلماتها وصراخها.. وهي توجه بصرها إلى الجو وبدت سريعة رغم تقدمها في السن يا لها من عجوز غامضة.. عدنا إلى ملجئنا، كانت الطيور تبدو وكأنها تستعد لقذف ما تحمله فوق المدينة يا إله السماوات، كم ستكون الكارثة كبيرة الحجم؟
((وعدنا إلى مكمننا مع بقية الناس الذين لجأوا إلينا، وبدأت تصلنا أصوات مدوية هزّت الأرض من حولنا، فلقد أطلقت الطيور السوداء الضخمة التي غطت أسرابها وجه الشمس، أطلقت كل ما لديها من أجسام ثقيلة صوب القصور والبيوت المنحوتة.. ودكّت تلك الأجسام كل الدور المزخرفة التي امتلأت بالظلم والفساد، وزلزلت الأرض حولنا، واشتد عويل النساء والأطفال.. كان يوماً مرعباً لا يمكن لنا أن ننساه.. ودمّرت الكارثة مدينة(مودس) الكبيرة تدميراً أتى على كل شيء، ودفن بين الأنقاض الأمير الظالم وحاشيته وأتباعه وخدمه وجواريه ومخازن أمواله.. كما دمرت كل الذين استسلموا له ليستعبدهم ويمتص منهم نامة الإحساس الإنساني المقاوم)).
وتابع حمدان يقرأ:
- ويستمرُ جديَ الأكبرُ في سرد تفاصيل الكارثة، وكيف صعدوا بعدما هدأ الزلزال وتوقف تساقط الأجسام الثقيلة.. ليجدوا أن كل شيء اختفى، أزيلَ عن الأرض تماماً، ولا أثر للقصور والمنازل الضخمة والكهوف المنحوتة التي تزخر بالتماثيل الجميلة، وأدوات المُتعة على اختلاف أشكالها.
- إنها حكاية أشبه بأسطورة.
- وظل صوت كعبٍ وولده سلطان يدويان في المنطقة يستغيثان من العذاب، وقد سمع جدي تلك الأصوات الغريبة التي تردد صداها بعد انتهاء الكارثة لعدة أيام.. كانت تذرفُ دموعَ الندم والتوبة، وتتوسلُ أن يتوقفَ عذابُها لكن دون جدوى.. وهكذا عاد جدي الأكبر يحاول بناءَ ما بقي من مخلفات الدمار.. مستعيناً بأولئك الناس الذين رفضوا الظلم وقاوموه لتنهض(مودس) جديدة صغيرة، أحب فيها الجميع الخيرَ، وتعاونوا من أجله
- هذه هي حكاية المدينة إذن؟
تنهد الشيخ حمدان وهو ينظر إلى عامر بعمق:
- وقد طلبت مني زوجتي أن أحكيها لك، وهو طلبٌ له مبرراته بالتأكيد.. ولكن ما هي هذه المبررات؟ بالتأكيد لا أعلم.. هيا بنا نعود إلى البيت.. سنعيد كل شيء إلى ما كان عليه هنا..

:
يـتـبع ..
:


اضافة رد مع اقتباس
  #29  
قديم 02/04/2010, 09:51 PM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 07/11/2007
المكان: حــآيــل
مشاركات: 2,586
الله يعطيك العــآفية على الطرح الرآئع
اضافة رد مع اقتباس
  #30  
قديم 02/04/2010, 10:51 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ عطـــارد
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/02/2009
المكان: في الـ ماضي ..
مشاركات: 441
إقتباس
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة طارق عن حبك مو تايب
يا اخي كمل يرحم امك

حمستنا وخليتنا نستنى


متابع بصمت


عوافي اخوي ..

يا جماعة الخير ..

أنا مجتهد ..

خلوا عندك صبر شوي ..

في الخاص وعلى راسلني , متعجلين كثير ..

الافضل أن تكون حلقات من حيث الفهم ومن حيث الـ جهد علي ..

واللي عنده مشكلة في موضوع الحلقات ..

يراجع الاخ " عبدالعزيز " سيناتور هلالي ..

هو اللي أشار علي بهالطريقة ..



أتمنى أن تتفهموا ذلك ..

ووالله أنكم على رأسي من فوق ..

:

باين إني توهقت ..



شكلي ما راح أعيد التجربة مره أخرى

..

إقتباس
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مكفخ نمله
الله يعطيك العــآفية على الطرح الرآئع



الله يعافيك ..

نعم .. شوفوا هـ الرايق ..

بس النك نيم تبعك تووحفه ..

:

لا تزعلون مني ..

:
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 10:16 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube