#1  
قديم 29/09/2009, 10:54 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة الفرقان (5)

والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به تصلبهم على باطلهم وغرورا لضعفاء العقول ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ كَادَ‏}‏ هذا الرجل ‏{‏لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا‏}‏ بأن يجعل الآلهة إلها واحدا ‏{‏لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا‏}‏ لأضلنا زعموا ـقبحهم اللهـ أن الضلال هو التوحيد وأن الهدى ما هم عليه من الشرك فلهذا تواصوا بالصبر عليه‏.‏ ‏{‏وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ‏}‏
وهنا قالوا‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا‏}‏ والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع فإنه صبر على أسباب الغضب وعلى الاستكثار من حطب جهنم‏.‏ وأما المؤمنون فهم كما قال الله عنهم‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ‏}‏ ولما كان هذا حكما منهم بأنهم المهتدون والرسول ضال وقد تقرر أنهم لا حيلة فيهم توعدهم بالعذاب وأخبر أنهم في ذلك الوقت ‏{‏حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ‏}‏ يعلمون علما حقيقيا ‏{‏مَنْ‏}‏ هو ‏{‏أَضَلُّ سَبِيلًا‏}‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا‏}‏ الآيات‏.‏
وهل فوق ضلال من جعل إلهه معبوده ‏[‏هواه‏}‏ فما هويه فعله فلهذا قال‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ‏}‏ ألا تعجب من حاله وتنظر ما هو فيه من الضلال‏؟‏ وهو يحكم لنفسه بالمنازل الرفيعة‏؟‏
‏{‏أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا‏}‏ أي‏:‏ لست عليه بمسيطر مسلط بل إنما أنت منذر، وقد قمت بوظيفتك وحسابه على الله‏.‏

ثم سجل تعالى على ضلالهم البليغ بأن سلبهم العقول والأسماع وشبههم في ضلالهم بالأنعام السائمة التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون بل هم أضل من الأنعام لأن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي وتعرف طريق هلاكها فتجتنبه وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء، فتبين بهذا أن الرامي للرسول بالضلال أحق بهذا الوصف وأن كل حيوان بهيم فهو أهدى منه‏.‏
[‏45 ـ 46‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا‏}‏

أي‏:‏ ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته، أنه مد على العباد الظل وذلك قبل طلوع الشمس ‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ على الظل ‏{‏دَلِيلًا‏}‏ فلولا وجود الشمس لما عرف الظل فإن الضد يعرف بضده‏.‏
‏{‏ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا‏}‏ فكلما ارتفعت الشمس تقلص الظل شيئا فشيئا، حتى يذهب بالكلية فتوالي الظل والشمس على الخلق الذي يشاهدونه عيانا وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك ـ من أدل دليل على قدرة الله وعظمته وكمال رحمته وعنايته بعباده وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام‏.‏
‏[‏47‏]‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا‏}‏
أي‏:‏ من رحمته بكم ولطفه أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس الذي يغشاكم، حتى تستقروا فيه وتهدؤوا بالنوم وتسبت حركاتكم أي‏:‏ تنقطع عند النوم، فلولا الليل لما سكن العباد ولا استمروا في تصرفهم فضرهم ذلك غاية الضرر، ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم معايشهم ومصالحهم، ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه لتجاراتهم وأسفارهم وأعمالهم فيقوم بذلك ما يقوم من المصالح‏.‏
‏[‏48 ـ 50‏]‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا‏}‏
أي‏:‏ هو وحده الذي رحم عباده وأدر عليهم رزقه بأن أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهو المطر فثار بها السحاب وتألف وصار كسفا وألقحته وأدرته بإذن آمرها والمتصرف فيها ليقع استبشار العباد بالمطر قبل نزوله وليستعدوا له قبل أن يفاجئهم دفعة واحدة‏.‏
‏{‏وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا‏}‏ يطهر من الحدث والخبث ويطهر من الغش والأدناس، وفيه بركة من بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتا فتختلف أصناف النوابت والأشجار فيها مما يأ كل الناس والأنعام‏.‏ ‏{‏وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ نسقيكموه أنتم وأنعامكم، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات وجعلها في عملها متنوعات، وأنزل من السماء ماء طهورا مباركا فيه رزق العباد ورزق بهائمهم، هو الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك معه غيره‏؟‏
ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة وصرفها للعباد ليعرفوه ويشكروه ويذكروه مع ذلك أبي أكثر الخلق إلا كفورا، لفساد أخلاقهم وطبائعهم‏.‏
‏[‏51 ـ 52‏]‏ ‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا‏}‏
يخبر تعالى عن نفوذ مشيئته وأنه لو شاء لبعث في كل قرية نذيرا، أي‏:‏ رسولا ينذرهم ويحذرهم فمشيئته غير قاصرة عن ذلك، ولكن اقتضت حكمته ورحمته بك وبالعباد ـيا محمدـ أن أرسلك إلى جميعهم أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم إنسهم وجنهم‏.‏
‏{‏فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ‏}‏ في ترك شيء مما أرسلت به بل ابذل جهدك في تبليغ ما أرسلت به‏.‏ ‏{‏وَجَاهِدْهُمْ‏}‏ بالقرآن ‏{‏جِهَادًا كَبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ لا تبق من مجهودك في نصر الحق وقمع الباطل إلا بذلته ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت فابذل جهدك واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم‏.‏
‏[‏53‏]‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا‏}‏
أي‏:‏ وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان البحر العذب وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض والبحر الملح وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد، ‏{‏وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا‏}‏ أي‏:‏ حاجزا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر فتذهب المنفعة المقصودة منها ‏{‏وَحِجْرًا مَحْجُورًا‏}‏ أي‏:‏ حاجزا حصينا‏.‏
‏[‏54‏]‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا‏}‏
أي‏:‏ وهو الله وحده لا شريك له الذي خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنسابا وأصهارا متفرقين ومجتمعين، والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فهذا يدل على كمال اقتداره لقوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا‏}‏ ويدل على أن عبادته هي الحق وعبادة غيره باطلة لقوله‏:‏
‏[‏55‏]‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا‏}‏
أي‏:‏ يعبدون أصناما وأمواتا لا تضر ولا تنفع ويجعلونها أندادا لمالك النفع والضرر والعطاء والمنع مع أن الواجب عليهم أن يكونوا مقتدين بإرشادات ربهم ذابين عن دينه، ولكنهم عكسوا القضية‏.‏
‏{‏وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا‏}‏ فالباطل الذي هو الأوثان والأندادأعداء لله، فالكافر عاونها وظاهرها على ربها وصار عدوا لربه مبارزا له في العداوة والحرب، هذا وهو الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، وليس يخرج عن ملكه وسلطانه وقبضته والله لم يقطع عنه إحسانه وبره وهو ـ بجهله ـ مستمر على هذه المعاداة والمبارزة‏.‏



تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)

استغفر الله وأتوب اليه
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29/09/2009, 11:42 PM
زعيــم جديــد
تاريخ التسجيل: 26/03/2009
مشاركات: 16
من قلــــــــــــب ...


الله يحجزاك كل خير اخووي ... وعسى الله يسعدك دنيا وآخرهـ ..

والله يجعل كل حرف أنكتب بها الموضوع بميزان حسناتكـ ...
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29/09/2009, 11:44 PM
الصورة الرمزية الخاصة بـ RICKEY
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 26/01/2009
المكان: ديااااااار الزعيم
مشاركات: 329
الله يجزاك الف الف الف مليووووون خير
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 11:36 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube