#1  
قديم 04/09/2009, 07:26 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة النمل (3)

‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏42‏]‏
فلما جاءت ملكة ‏"‏سبأ‏"‏ إلى سليمان في مجلسه قيل لها‏:‏ أهكذا عرشك‏؟‏ قالت‏:‏ إنه يشبهه‏.‏ فظهر لسليمان أنها أصابت في جوابها‏,‏ وقد علمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان عليه السلام‏,‏ فقال‏:‏ وأوتينا العلم بالله وبقدرته مِن قبلها‏,‏ وكنا منقادين لأمر الله متبعين لدين الاسلام‏.‏
‏{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏43‏]‏
ومَنَعَها عن عبادة الله وحده ما كانت تعبده مِن دون الله تعالى‏,‏ إنها كانت كافرة ونشأت بين قوم كافرين‏,‏ واستمرت على دينهم‏,‏ وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما تعرف به الحق من الباطل‏,‏ ولكن العقائد الباطلة تُذهب بصيرة القلب‏.‏
‏{‏قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏44‏]‏
قيل لها‏:‏ ادخلي القصر‏,‏ وكان صحنه مِن زجاج تحته ماء‏,‏ فلما رأته ظنته ماء تتردد أمواجه‏,‏ وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء‏,‏ فقال لها سليمان‏:‏ إنه صحن أملس من زجاج صاف والماء تحته‏.‏ فأدركت عظمة ملك سليمان‏,‏ وقالت‏:‏ رب إني ظلمت نفسي بما كنت عليه من الشرك‏,‏ وانقدت متابعة لسليمان داخلة في دين رب العالمين أجمعين‏.‏
‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏45‏]‏
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا‏:‏ أن وحِّدوا الله‏,‏ ولا تجعلوا معه إلهًا آخر‏,‏ فلما أتاهم صالحٌ داعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده صار قومه فريقين‏:‏ أحدهما مؤمن به‏,‏ والآخر كافر بدعوته‏,‏ وكل منهم يزعم أن الحق معه‏.‏
‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ ‏[‏46‏]‏
قال صالح للفريق الكافر‏:‏ لِمَ تبادرون الكفر وعمل السيئات الذي يجلب لكم العذاب‏,‏ وتؤخرون الإيمان وفِعْل الحسنات الذي يجلب لكم الثواب‏؟‏ هلا تطلبون المغفرة من الله ابتداء‏,‏ وتتوبون إليه؛ رجاء أن ترحموا‏.‏
‏{‏قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏47‏]‏
قال قوم صالح له‏:‏ تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك‏,‏ قال لهم صالح‏:‏ ما أصابكم الله مِن خير أو شر فهو مقدِّره عليكم ومجازيكم به‏,‏ بل أنتم قوم تُخْتَبرون بالسراء والضراء والخير والشر‏.‏
‏{‏وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏48‏]‏
وكان في مدينة صالح ـ وهي ‏"‏الحِجْر‏"‏ الواقعة في شمال غرب جزيرة العرب ـ تسعة رجال‏,‏ شأنهم الإفساد في الأرض‏,‏ الذي لا يخالطه شيء من الصلاح‏.‏
‏{‏قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏}‏ ‏[‏49‏]‏
قال هؤلاء التسعة بعضهم لبعض‏:‏ تقاسموا بالله بأن يحلف كل واحد للآخرين‏:‏ لنأتينَّ صالحًا بغتة في الليل فنقتله ونقتل أهله‏,‏ ثم لنقولَنَّ لوليِّ الدم مِن قرابته‏:‏ ما حضرنا قتلهم‏,‏ وإنا لصادقون فيما قلناه‏.‏
‏{‏وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏50‏]‏
ودبَّروا هذه الحيلة لإهلاك صالح وأهله مكرًا منهم‏,‏ فنصرنا نبينا صالحًا عليه السلام‏,‏ وأخذناهم بالعقوبة على غِرَّة‏,‏ وهم لا يتوقعون كيدنا لهم جزاءً على كيدهم‏.‏
‏{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏51‏]‏
فانظر ـ أيها الرسول ـ نظرة اعتبار إلى عاقبة غَدْر هؤلاء الرهط بنبيهم صالح‏؟‏ أنا أهلكناهم وقومهم أجمعين‏.‏
‏{‏فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏52‏]‏

فتلك مساكنهم خالية ليس فيها منهم أحد‏,‏ أهلكهم الله‏;‏ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك‏,‏ وتكذيب نبيهم‏.‏ إن في ذلك التدمير والإهلاك لَعظة لقوم يعلمون ما فعلناه بهم‏,‏ وهذه سنتنا فيمن يكذب المرسلين‏.‏


‏{‏وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏53‏]‏
وأنجينا مما حلَّ بثمود من الهلاك صالحًا والمؤمنين به‏,‏ الذين كانوا يتقون بإيمانهم عذاب الله‏.‏
‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏54‏]‏
‏{‏أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏ ‏[‏55‏]‏
واذكر لوطًا إذ قال لقومه‏:‏ أتأتون الفعلة المتناهية في القبح‏,‏ وأنتم تعلمون قبحها‏؟‏ أإنكم لتأتون الرجال في أدبارهم للشهوة عوضًا عن النساء‏؟‏ بل أنتم قوم تجهلون حقَّ الله عليكم‏,‏ فخالفتم بذلك أمره‏,‏ وعَصيْتُم رسوله بفعلتكم القبيحة التي لم يسبقكم بها أحد من العالمين‏.‏ ‏54 ـ 58‏]‏ ‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
أي‏:‏ واذكر عبدنا ورسولنا لوطا ونبأه الفاضل حين قال لقومه ـ داعيا إلى الله وناصحًا ـ‏:‏ ‏{‏أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ‏}‏ أي‏:‏ الفعلة الشنعاء التي تستفحشها العقول والفطر وتستقبحها الشرائع ‏{‏وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏ ذلك وتعلمون قبحه فعاندتم وارتكبتم ذلك ظلما منكم وجرأة على الله‏.‏
ثم فسر تلك الفاحشة فقال‏:‏ ‏{‏أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ‏}‏ أي‏:‏ كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من النساء من المحال الطيبة التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب عليكم الأمر فاستحسنتم القبيح واستقبحتم الحسن ‏{‏بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏ متجاوزون لحدود الله متجرئون على محارمه‏.‏
‏{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ‏}‏ قبول ولا انزجار ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين بالإجلاء عن وطنه والتشريد عن بلده‏.‏ فما كان جواب قومه ‏{‏إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ‏}‏
فكأنه قيل‏:‏ ما نقمتم منهم وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور‏.‏ فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق فهم قالوا‏:‏ ‏{‏أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}‏
ومفهوم هذا الكلام‏:‏ ‏"‏ وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ونجاة من خرج منها ‏"‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ‏}‏ وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف وسمع بهم قومه فجاءوا إليه يريدونهم بالشر وأغلق الباب دونهم واشتد الأمر عليه، ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال وأنهم جاءوا لاستنقاذه وإخراجه من بين أظهرهم وأنهم يريدون إهلاكهم وأن موعدهم الصبح، وأمروه أن يسري بأهله ليلا إلا امرأته فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا فنجوا وصبحهم العذاب، فقلب الله عليهم ديارهم وجعل أعلاها أسفلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك‏.‏
ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بئس المطر مطرهم وبئس العذاب عذابهم لأنهم أنذروا وخوفوا فلم ينزجروا ولم يرتدعوا فأحل الله بهم عقابه الشديد‏.‏



تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 08:16 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube