#1  
قديم 30/08/2009, 04:55 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة القصص (9)

فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازَّيَّنَتْت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب ‏{‏فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ‏}‏ جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد اللّه، أنزله اللّه أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه‏.‏
‏{‏فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ‏}‏ أي‏:‏ جماعة، وعصبة، وخدم، وجنود ‏{‏يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر‏.‏
‏{‏وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ‏}‏ أي‏:‏ الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا‏:‏ ‏{‏يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ‏}‏ ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم‏:‏ ‏{‏وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ‏}‏ أي‏:‏ يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏}‏ و ‏{‏لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا‏}‏ فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومنته ‏{‏لَخَسَفَ بِنَا‏}‏ فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير فكرهم الأول‏.‏
‏{‏وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏
‏[‏83‏]‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏
لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا‏:‏ ‏{‏ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا‏}‏ رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ‏}‏ التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت ‏[‏بها‏}‏ رسله، التي ‏[‏قد‏}‏ جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، ‏{‏نَجْعَلُهَا‏}‏ دارا وقرارا ‏{‏لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق ‏{‏وَلَا فَسَادًا‏}‏ وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح‏.‏
وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَالْعَاقِبَةُ‏}‏ أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم ـوإن حصل لها بعض الظهور والراحةـ فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب‏.‏ وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب
‏[‏84‏]‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏
يخبر تعالى عن مضاعفة فضله، وتمام عدله فقال‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ‏}‏ شرط فيها أن يأتي بها العامل، لأنه قد يعملها، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه أو يبطلها، فهذا لم يجيء بالحسنة، والحسنة‏:‏ اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله تعالى وحق عباده، ‏{‏فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ أعظم وأجل، وفي الآية الأخرى ‏{‏فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا‏}‏‏}‏
هذا التضعيف للحسنة، لا بد منه، وقد يقترن بذلك من الأسباب ما تزيد به المضاعفة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ بحسب حال العامل وعمله، ونفعه ومحله ومكانه، ‏{‏وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ‏}‏ وهي كل ما نهى الشارع عنه، نَهْيَ تحريم‏.‏ ‏{‏فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ‏}‏
‏[‏85ـ88‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏
يقول تعالى ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏}‏ أي‏:‏ أنزله، وفرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، والدعوة لأحكام جميع المكلفين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد، يجازي فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم‏.‏
وقد بينت لهم الهدى، وأوضحت لهم المنهج، فإن تبعوك، فذلك حظهم وسعادتهم، وإن أبوا إلا عصيانك والقدح بما جئت به من الهدى، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق، فلم يبق للمجادلة محل، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة، والحق والمبطل‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي، وأن أعداءه هم الضالون المضلون‏.‏
‏{‏وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ‏}‏ أي‏:‏ لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا‏.‏ ‏{‏إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏}‏ بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، ‏[‏علمت‏}‏ أن جميع ما أمر به ونهى عنه، فإنه رحمة وفضل من اللّه، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع‏.‏
‏{‏فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة‏.‏
‏{‏وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ‏}‏ بل أبلغها وأنفذها، ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها، ولا تتبع أهواءهم‏.‏
‏{‏وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ‏}‏ أي اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك، فكل ما خالف ذلك فارفضه، من رياء، أو سمعة، أو موافقة أغراض أهل الباطل، فإن ذلك داع إلى الكون معهم، ومساعدتهم على أمرهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ لا في شركهم، ولا في فروعه وشعبه، التي هي جميع المعاصي‏.‏
‏{‏وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ بل أخلص للّه عبادتك، فإنه ‏{‏لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏}‏ فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ويعبد، إلا اللّه الكامل الباقي الذي ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ وإذا كان كل شيء هالكا مضمحلا، سواه فعبادة الهالك الباطل باطلة ببطلان غايتها، وفساد نهايتها‏.‏ ‏{‏لَهُ الْحُكْمُ‏}‏ في الدنيا والآخرة ‏{‏وَإِلَيْهِ‏}‏ لا إلى غيره ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ فإذا كان ما سوى اللّه باطلا هالكا، واللّه هو الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، ليجازيهم بأعمالهم، تعيَّن على من له عقل، أن يعبد اللّه وحده لا شريك له، ويعمل لما يقربه ويدنيه، ويحذر من سخطه وعقابه، وأن يقدم على ربه غير تائب، ولا مقلع عن خطئه وذنوبه‏.‏

تم تفسير سورة القصص ـوللّه الحمد والثناء والمجد دائما أبداـ‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


الحمد لله
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 05:56 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube