#1  
قديم 25/06/2009, 02:25 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة الروم (6)

‏[‏51 ـ 53‏]‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}‏
يخبر تعالى عن حالة الخلق وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد موتها ونشر رحمة اللّه تعالى لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن المطر وعلى زروعهم ريحا مضرة متلفة أو منقصة، ‏{‏فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا‏}‏ قد تداعى إلى التلف ‏{‏لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏}‏ فينسون النعم الماضية ويبادرون إلى الكفر‏.‏
وهؤلاء لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر ‏{‏فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ‏}‏ وبالأولى ‏{‏إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏}‏ فإن الموانع قد توفرت فيهم عن الانقياد والسماع النافع كتوفر هذه الموانع المذكورة عن سماع الصوت الحسي‏.‏
‏{‏وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ‏}‏ لأنهم لا يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس منهم قابلية له‏.‏
‏{‏إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}‏ فهؤلاء الذين ينفع فيهم إسماع الهدى المؤمنون بآياتنا بقلوبهم المنقادون لأوامرنا المسلمون لنا، لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ وهو استعدادهم للإيمان بكل آية من آيات اللّه واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من أوامر اللّه ونواهيه‏.‏
‏[‏54‏]‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ‏}‏
يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة‏.‏ ثم ما زال اللّه يزيد في قوته شيئا فشيئا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم‏.‏
‏{‏يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ‏}‏ بحسب حكمته‏.‏ ومن حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته محفوفة بضعفين وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية اللّه له لما وصل إلى قوة وقدرة ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا‏.‏
وليعلم العباد كمال قدرة اللّه التي لا تزال مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه‏.‏
‏[‏55 ـ 57‏]‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}‏
يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه وأنه إذا قامت الساعة ‏{‏يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ باللّه أنهم ‏{‏مَا لَبِثُوا‏}‏ في الدنيا إلَا ‏{‏سَاعَة‏}‏ وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا‏.‏
ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما زالوا ـ وهم في الدنيا ـ يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه‏.‏
‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ‏}‏ أي‏:‏ مَنَّ اللّه عليهم بهما وصارا وصفا لهم العلم بالحق والإيمان المستلزم إيثار الحق، وإذا كانوا عالمين بالحق مؤثرين له لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع مناسبا لأحوالهم‏.‏
فلهذا قالوا الحق‏:‏ ‏{‏لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ في قضائه وقدره، الذي كتبه اللّه عليكم وفي حكمه ‏{‏إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ‏}‏ أي‏:‏ عمرتم عُمْرًا يتذكر فيه المتذكر ويتدبر فيه المتدبر ويعتبر فيه المعتبر حتى صار البعث ووصلتم إلى هذه الحال‏.‏
‏{‏فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فلذلك أنكرتموه في الدنيا وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا تتمكنون فيه من الإنابة والتوبة، فلم يزل الجهل شعاركم وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم‏.‏
‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ‏}‏ فإن كذبوا وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة أو ما تمكنوا من الإيمان ظهر كذبهم بشهادة أهل العلم والإيمان، وشهادة جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وإن طلبوا الإعذار وأنهم يردون ولا يعودون لما نُهوا عنه لم يُمَكَّنُوا فإنه فات وقت الإعذار فلا تقبل معذرتهم، ‏{‏وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}‏ أي‏:‏ يزال عتبهم والعتاب عنهم‏.‏
‏[‏58 ـ 60‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}‏
أي‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا‏}‏ لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا ‏{‏لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏}‏ تتضح به الحقائق وتعرف به الأمور وتنقطع به الحجة‏.‏ وهذا عام في الأمثال التي يضربها اللّه في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة‏.‏ وفي الإخبار بما سيكون وجلاء حقيقته ‏[‏حتى‏}‏ كأنه وقع‏.‏
ومنه في هذا الموضع ذكر اللّه تعالى ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه وشدة أسفهم وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب‏.‏
ولكن أبى الظالمون الكافرون إلا معاندة الحق الواضح ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ أي آية تدل على صحة ما جئت به ‏{‏لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ قالوا للحق‏:‏ إنه باطل‏.‏ وهذا من كفرهم وجراءتهم وطَبْعِ اللّه على قلوبهم وجهلهم المفرط ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلا يدخلها خير ولا تدرك الأشياء على حقيقتها بل ترى الحق باطلا والباطل حقا‏.‏
‏{‏فَاصْبِرْ‏}‏ على ما أمرت به وعلى دعوتهم إلى اللّه، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك‏.‏
‏{‏إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ‏}‏ أي‏:‏ لا شك فيه وهذا مما يعين على الصبر فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملا هان عليه ما يلقاه من المكاره ويسر عليه كل عسير واستقل من عمله كل كثير‏.‏
‏{‏وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ قد ضعف إيمانهم وقل يقينهم فخفت لذلك أحلامهم وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف ‏[‏العقل‏}‏ خفيفه‏.‏

فالأول بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور فاللّه المستعان‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26/06/2009, 02:25 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 12/07/2008
مشاركات: 574
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين



الله يجزاك خير ويبارك فيك
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26/06/2009, 03:39 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين



الله يجزاك خير ويبارك فيك
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 09:57 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube