#1  
قديم 22/06/2009, 07:23 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة الروم (4)

ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال‏:‏ ‏{‏مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏}‏ مع أن الدين واحد وهو إخلاص العبادة للّه وحده وهؤلاء المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام‏.‏ ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ومنهم يهود ومنهم نصارى‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكَانُوا شِيَعًا‏}‏ أي‏:‏ كل فرقة من فرق الشرك تألفت وتعصبت على نصر ما معها من الباطل ومنابذة غيرهم ومحاربتهم‏.‏
‏{‏كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ‏}‏ من العلوم المخالفة لعلوم الرسل ‏{‏فَرِحُونَ‏}‏ به يحكمون لأنفسهم بأنه الحق وأن غيرهم على باطل، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد‏.‏
وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض‏؟‏
فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين‏؟‏
وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل اللّه وأفضل الأعمال المقربة إلى اللّه‏؟‏
ولما أمر تعالى بالإنابة إليه ـ وكان المأمور بها هي الإنابة الاختيارية، التي تكون في حَالَي العسر واليسر والسعة والضيق ـ ذكر الإنابة الاضطرارية التي لا تكون مع الإنسان إلا عند ضيقه وكربه، فإذا زال عنه الضيق نبذها وراء ظهره وهذه غير نافعة فقال‏:‏
‏[‏33 ـ 35‏]‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏}‏
‏{‏وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ‏}‏ مرض أو خوف من هلاك ونحوه‏.‏ ‏{‏دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏}‏ ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا اللّه‏.‏
‏{‏ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً‏}‏ شفاهم من مرضهم وآمنهم من خوفهم، ‏{‏إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏}‏ ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم ويشركون به من لا دفع عنهم ولا أغنى، ولا أفقر ولا أغنى، وكل هذا كفر بما آتاهم اللّه ومَنَّ به عليهم حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال‏؟‏‏.‏
‏{‏أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا‏}‏ أي‏:‏ حجة ظاهرة ‏{‏فَهُوَ‏}‏ أي‏:‏ ذلك السلطان، ‏{‏يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏}‏ ويقول لهم‏:‏ اثبتوا على شرككم واستمروا على شككم فإن ما أنتم عليه هو الحق وما دعتكم الرسل إليه باطل‏.‏
فهل ذلك السلطان موجود عندهم حتى يوجب لهم شدة التمسك بالشرك‏؟‏ أم البراهين العقلية والسمعية والكتب السماوية والرسل الكرام وسادات الأنام، قد نهوا أشد النهي عن ذلك وحذروا من سلوك طرقه الموصلة إليه وحكموا بفساد عقل ودين من ارتكبه‏؟‏‏.‏
فشرك هؤلاء بغير حجة ولا برهان وإنما هو أهواء النفوس، ونزغات الشيطان‏.‏
‏[‏36 ـ 37‏]‏ ‏{‏وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏
يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرخاء والشدة أنهم إذا أذاقهم اللّه منه رحمة من صحة وغنى ونصر ونحو ذلك فرحوا بذلك فرح بطر، لا فرح شكر وتبجح بنعمة اللّه‏.‏
‏{‏وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ‏}‏ أي‏:‏‏:‏ حال تسوؤهم وذلك ‏{‏بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ من المعاصي‏.‏ ‏{‏إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ‏}‏ ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض ونحوه‏.‏ وهذا جهل منهم وعدم معرفة‏.‏
‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ‏}‏ فالقنوط بعد ما علم أن الخير والشر من اللّه والرزق سعته وضيقه من تقديره ضائع ليس له محل‏.‏ فلا تنظر أيها العاقل لمجرد الأسباب بل اجعل نظرك لمسببها ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ فهم الذين يعتبرون بسط اللّه لمن يشاء وقبضه، ويعرفون بذلك حكمة اللّه ورحمته وجوده وجذب القلوب لسؤاله في جميع مطالب الرزق‏.‏
‏[‏38 ـ 39‏]‏ ‏{‏فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}‏
أي‏:‏ فأعط القريب منك ـ على حسب قربه وحاجته ـ حقه الذي أوجبه الشارع أو حض عليه من النفقة الواجبة والصدقة والهدية والبر والسلام والإكرام والعفو عن زلته والمسامحة عن هفوته‏.‏ وكذلك ‏[‏آت‏}‏ المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تزيل به حاجته وتدفع به ضرورته من إطعامه وسقيه وكسوته‏.‏
‏{‏وَابْنَ السَّبِيلِ‏}‏ الغريب المنقطع به في غير بلده الذي في مظنة شدة الحاجة، لأنه لا مال معه ولا كسب قد دبر نفسه به ‏[‏في‏}‏ سفره، بخلاف الذي في بلده، فإنه وإن لم يكن له مال ولكن لا بد ـفي الغالبـ أن يكون في حرفة أو صناعة ونحوها تسد حاجته، ولهذا جعل اللّه في الزكاة حصة للمسكين وابن السبيل‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل ‏{‏خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ‏}‏ بذلك العمل ‏{‏وَجْه اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ خير غزير وثواب كثير لأنه من أفضل الأعمال الصالحة والنفع المتعدي الذي وافق محله المقرون به الإخلاص‏.‏
فإن لم يرد به وجه اللّه لم يكن خيرا لِلْمُعْطِي وإن كان خيرا ونفعا لِلْمُعْطي كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ مفهومها أن هذه المثبتات خير لنفعها المتعدي ولكن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه فسوف نؤتيه أجرا عظيما‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ‏}‏ الذين عملوا هذه الأعمال وغيرها لوجه اللّه ‏{‏هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ الفائزون بثواب اللّه الناجون من عقابه‏.‏
ولما ذكر العمل الذي يقصد به وجهه ‏[‏من النفقات‏}‏ ذكر العمل الذي يقصد به مقصد دنيوي فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو فِي أَمْوَالِ النَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم وقصدكم بذلك أن يربو أي‏:‏ يزيد في أموالكم بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر منها، فهذا العمل لا يربو أجره عند اللّه لكونه معدوم الشرط الذي هو الإخلاص‏.‏ ومثل ذلك العمل الذي يراد به الزيادة في الجاه والرياء عند الناس فهذا كله لا يربو عند اللّه‏.‏
‏{‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ‏}‏ أي‏:‏ مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة ويطهر أموالكم من البخل بها ويزيد في دفع حاجة الْمُعْطَى‏.‏ ‏{‏تُرِيدُونَ‏}‏ بذلك ‏{‏وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}‏ أي‏:‏ المضاعف لهم الأجر الذين تربو نفقاتهم عند اللّه ويربيها اللّه لهم حتى تكون شيئًا كثيرًا‏.‏

ودل قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ‏}‏ أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق أو مع دَيْنٍ عليه لم يقضه ويقدم عليه الصدقة أن ذلك ليس بزكاة يؤجر عليه العبد ويرد تصرفه شرعا كما قال تعالى في الذي يمدح‏:‏ ‏{‏الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى‏}‏ فليس مجرد إيتاء المال خيرا حتى يكون بهذه الصفة وهو‏:‏ أن يكون على وجه يتزكى به المؤتي‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


لاحول ولاقوة الا بالله
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23/06/2009, 02:53 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
جزاك الله الف الف الف خيرررررررررر
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 02:55 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube