#1  
قديم 14/06/2009, 02:17 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة لقمان (2)

‏{‏وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ‏}‏ أي‏:‏ جبالا عظيمة، ركزها في أرجائها وأنحائها، لئلا ‏{‏تَمِيدَ بِكُمْ‏}‏ فلولا الجبال الراسيات لمادت الأرض، ولما استقرت بساكنيها‏.‏
‏{‏وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ نشر في الأرض الواسعة، من جميع أصناف الدواب، التي هي مسخرة لبني آدم، ولمصالحهم، ومنافعهم‏.‏ ولما بثها في الأرض، علم تعالى أنه لا بد لها من رزق تعيش به، فأنزل من السماء ماء مباركا، ‏{‏فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ‏}‏ المنظر، نافع مبارك، فرتعت فيه الدواب المنبثة، وسكن إليه كل حيوان‏.‏
‏{‏هَذَا‏}‏ أي‏:‏ خلق العالم العلوي والسفلي، من جماد، وحيوان، وسَوْقِ أرزاق الخلق إليهم ‏{‏خَلق اللَّه‏}‏ وحده لا شريك له، كل مقر بذلك حتى أنتم يا معشر المشركين‏.‏
‏{‏فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ أي‏:‏ الذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم من استحقاق العبادة‏.‏
ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق اللّه وحده، ولا ثَمَّ شيء يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات شيء لها تستحق به أن تعبد‏.‏
ولكن عبادتهم إياها، عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ جَلِيٍّ واضح حيث عبدوا من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وتركوا الإخلاص للخالق الرازق المالك لكل الأمور‏.‏
‏[‏12 ـ 19‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏
يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم ‏[‏بالحق‏}‏ على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما، ولا يكون حكيمًا‏.‏
وأما الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح‏.‏
ولما أعطاه اللّه هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه‏.‏ والله غني ‏[‏عنه‏}‏ حميد فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره، فغناه تعالى، من لوازم ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين، صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر، زيادة كمال إلى كمال‏.‏
واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا‏؟‏ واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ‏}‏
أو قال له قولا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة ‏[‏من النعم‏}‏ بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء‏؟‏‏؟‏‏!‏
وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، ‏[‏فجعلها في أخس المراتب‏}‏ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرًا‏.‏
ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ‏}‏ أي‏:‏ عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا‏؟‏ فوصيناه ‏{‏بِوَالِدَيْهِ‏}‏ وقلنا له‏:‏ ‏{‏اشْكُرْ لِي‏}‏ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي‏.‏ ‏{‏وَلِوَالِدَيْكَ‏}‏ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، ‏[‏وإكرامهما‏}‏ وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل‏.‏
فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن ‏{‏إِلَيَّ الْمَصِيرُ‏}‏ أي‏:‏ سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك‏:‏ هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل‏؟‏ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل‏؟‏‏.‏
ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال‏:‏ ‏{‏حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ‏}‏ أي‏:‏ مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد‏.‏
ثم ‏{‏فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ‏}‏ وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه‏؟‏
‏{‏وَإِنْ جَاهَدَاكَ‏}‏ أي‏:‏ اجتهد والداك ‏{‏عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا‏}‏ ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق اللّه، مقدم على حق كل أحد، و ‏"‏لا طاعة لمخلوق، في معصية الخالق‏"‏
ولم يقل‏:‏ ‏"‏وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما‏"‏ بل قال‏:‏ ‏{‏فَلَا تُطِعْهُمَا‏}‏ أي‏:‏ بالشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا‏}‏ أي‏:‏ صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما‏.‏
‏{‏وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ‏}‏ وهم المؤمنون باللّه، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه‏.‏
واتباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى اللّه، التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى اللّه، ثم يتبعها سعي البدن، فيما يرضي اللّه، ويقرب منه‏.‏
‏{‏ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ الطائع والعاصي، والمنيب، وغيره ‏{‏فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ فلا يخفى على اللّه من أعمالهم خافية‏.‏
‏{‏يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏}‏ التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، ‏{‏فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ‏}‏ أي في وسطها ‏{‏أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ‏}‏ في أي جهة من جهاتهما ‏{‏يَأْتِ بِهَا اللَّهُ‏}‏ لسعة علمه، وتمام خبرته وكمال قدرته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ لطف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار‏.‏
والمقصود من هذا، الحث على مراقبة اللّه، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ‏.‏
‏{‏يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ‏}‏ حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، ‏{‏وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏}‏ وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه‏.‏

والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ‏}‏ ومن كونه فاعلا لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


لا اله الا الله محمد رسول الله
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14/06/2009, 08:35 PM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
الله يجزاك الف الف الف خيررررررررررررررررررررر
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 12:03 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube