#1  
قديم 30/01/2009, 04:13 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة غافر (5)

‏{‏وقَالَ فِرْعَوْنُ‏}
‏ متكبرًا متجبرًا مغررًا لقومه السفهاء‏:

‏ ‏{‏ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ‏}‏
أي‏:‏ زعم ـ قبحه الله ـ أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في الأرض فقال‏:‏

‏{‏إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُم‏}‏
الذي أنتم عليه ‏

{‏أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ‏}
‏ وهذا من أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى‏}
‏ حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة التي أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينًا بربه‏:‏

‏{‏إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم‏}‏
أي‏:‏ امتنعت بربوبيته التي دبر بها جميع الأمور

‏{‏مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ‏}
‏ أي‏:‏ يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه فرعون وغيره، كما تقدم قريبًا في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه‏.‏
ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، الذي من آل فرعون، من بيت المملكة، لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصًا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما منع الله رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعمه أبي طالب من قريش، حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع‏.‏
فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحًا فعل قومه، وشناعة ما عزموا عليه‏:‏

‏{‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ‏}‏
أي‏:‏ كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولاً مجردًا عن البينات، ولهذا قال‏:‏

‏{‏وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم‏}
‏ لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي‏:‏ فهذا لا يوجب قتله‏.‏
فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده، ثم بعد ذلك نظرتم‏:‏ هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا‏؟‏ فأما وقد ظهرت حجته، واستعلى برهانه، فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي‏.‏
ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال‏:‏

‏{‏وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُم‏}‏
أي‏:‏ موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا‏.‏
وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير فقتله سفه وجهل منكم‏.‏
ثم انتقل ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه وغفر له ورحمه ـ إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال‏:‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ‏}
‏ أي‏:‏ متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل‏.‏

‏{‏كَذَّابٌ‏}
‏ بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي‏:‏ وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه‏.‏
ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال‏:‏ ‏

{‏يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏}‏
أي‏:‏ في الدنيا

‏{‏ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ‏}‏
على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتم، ولن يتم،

‏{‏فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ‏}
‏ أي‏:‏ عذابه

‏{‏إِنْ جَاءَنَا‏}‏
‏؟‏ وهذا من حسن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَنْصُرُنَا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ جَاءَنَا‏}‏ ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه‏.‏
فـ

‏{‏قَالَ فِرْعَوْنُ‏}‏
معارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن يتبعوا موسى‏:‏

‏{‏مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ‏}
‏ وصدق في قوله‏:‏

‏{‏مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى‏}‏
ولكن ما الذي رأى‏؟‏
رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به مستيقنًا له‏.‏
وكذب في قوله‏:‏

‏{‏وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ‏}
‏ فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله، لكان الشر أهون، ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق وفي اتباع الحق، اتباع الضلال‏.‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِي آمَنَ‏}
‏ مكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم، كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك راد، ولا يثنيهم عتو من دعوه عن تكرار الدعوة فقال لهم‏:

‏ ‏{‏يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ‏}
‏ يعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال‏:‏

‏{‏مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم‏}
‏ أي‏:‏ مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة،

‏{‏وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ‏}‏
فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه‏.‏
ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال‏:‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمِ التَّنَادِ‏}‏
أي‏:‏ يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار‏:‏ ‏{‏أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا‏}‏ إلى آخر الآيات‏.‏
‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏
وحين ينادي أهل النار مالكًا ‏{‏ليقض علينا ربك‏}‏ فيقول‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ‏}‏ وحين ينادون ربهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ‏}‏ فيجيبهم‏:‏ ‏{‏اخْسؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ‏}‏ وحين يقال للمشركين‏:‏ ‏{‏ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُم‏}‏

تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)

لاحول ولاقوة الا بالله
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30/01/2009, 08:38 AM
موقوف
تاريخ التسجيل: 06/06/2008
المكان: الـشـرقـيه
مشاركات: 7,142
جــزاك الله خيرا على تفسيرك للسوره..

وجعله في موازيين حسناتك..

..
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 02:42 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube