#1  
قديم 25/01/2009, 10:22 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة غافر(2)

ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها ـ غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوبـ ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، فقال‏:‏

‏{‏رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا‏}‏
فعلمك قد أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون علويه وسفليه قد امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم، ووصل إلى ما وصل إليه خلقه‏.‏

‏{‏فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا‏}
‏ من الشرك والمعاصي

‏{‏وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ‏}
‏ باتباع رسلك، بتوحيدك وطاعتك‏.‏

‏{‏وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ‏}
‏ أي‏:‏ قهم العذاب نفسه، وقهم أسباب العذاب‏.‏

‏{‏رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم‏}
‏ على ألسنة رسلك

‏{‏وَمَنْ صَلَحَ‏}
‏ أي‏:‏ صلح بالإيمان والعمل الصالح ‏

{‏مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِم‏}
‏ زوجاتهم وأزواجهن وأصحابهم ورفقائهم ‏{‏وَذُرِّيَّاتِهِم‏}‏

‏{‏إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ‏}‏
القاهر لكل شيء، فبعزتك تغفر ذنوبهم، وتكشف عنهم المحذور، وتوصلهم بها إلى كل خير ‏

{‏الْحَكِيمُ‏}
‏ الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا نسألك يا ربنا أمرا تقتضي حكمتك خلافه، بل من حكمتك التي أخبرت بها على ألسنة رسلك، واقتضاها فضلك، المغفرة للمؤمنين‏.‏

‏{‏وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ‏}
‏ أي‏:‏ الأعمال السيئة وجزاءها، لأنها تسوء صاحبها‏.‏

‏{‏وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ‏}
‏ أي‏:‏ يوم القيامة

‏{‏فَقَدْ رَحِمْتَهُ‏}‏
لأن رحمتك لم تزل مستمرة على العباد، لا يمنعها إلا ذنوب العباد وسيئاتهم، فمن وقيته السيئات وفقته للحسنات وجزائها الحسن‏.‏

‏{‏وَذَلِكَ‏}‏
أي‏:‏ زوال المحذور بوقاية السيئات، وحصول المحبوب بحصول الرحمة،

‏{‏هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏
الذي لا فوز مثله، ولا يتنافس المتنافسون بأحسن منه‏.‏
وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، التي يحب من عباده التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه، فلما كان دعاؤهم بحصول الرحمة، وإزالة أثر ما اقتضته النفوس البشرية التي علم الله نقصها واقتضاءها لما اقتضته من المعاصي، ونحو ذلك من المبادئ والأسباب التي قد أحاط الله بها علمًا توسلوا بالرحيم العليم‏.‏
وتضمن كمال أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقير بالذات من جميع الوجوه، لا يُدْلِي على ربه بحالة من الأحوال، إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه‏.‏
وتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة، بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها، واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه، فسائر الخلق المكلفين يبغضهم الله إلا المؤمنين منهم، فمن محبة الملائكة لهم دعوا الله، واجتهدوا في صلاح أحوالهم، لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته، لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه‏.‏
وتضمن ما شرحه الله وفصله من دعائهم بعد قوله‏:‏

‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا‏}
‏ التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ‏.‏
والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران‏:‏
أحدهما‏:‏ معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه‏.‏
والثاني‏:‏ علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه‏.‏
وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني‏.‏ وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا من به الله علينا‏.‏
وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة، ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون سببًا لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلق بكرمه، والتوسل بإحسانه، الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآنات، وفي جميع اللحظات، ونسأله من فضله، أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضل بالأسباب ومسبباتها‏.‏
وتضمن ذلك، أن المقارن من زوج وولد وصاحب، يسعد بقرينه، ويكون اتصاله به سببًا لخير يحصل له، خارج عن عمله وسبب عمله كما كانت الملائكة تدعو للمؤمنين ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقد يقال‏:‏ إنه لا بد من وجود صلاحهم لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ صَلَحَ‏}‏ فحينئذ يكون ذلك من نتيجة عملهم والله أعلم‏.‏
‏[‏10 - 12‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ‏}‏
يخبر تعالى عن الفضيحة والخزي الذي يصيب الكافرين، وسؤالهم الرجعة، والخروج من النار، وامتناع ذلك عليهم وتوبيخهم، فقال‏:‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏
أطلقه ليشمل أنواع الكفر كلها، من الكفر بالله، أو بكتبه، أو برسله، أو باليوم الآخر، حين يدخلون النار، ويقرون أنهم مستحقونها، لما فعلوه من الذنوب والأوزار، فيمقتون أنفسهم لذلك أشد المقت، ويغضبون عليها غاية الغضب، فينادون عند ذلك، ويقال لهم‏:‏

‏{‏لَمَقْتُ اللَّهِ‏}
‏ أي‏:‏ إياكم

‏{‏إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ‏}‏
أي‏:‏ حين دعتكم الرسل وأتباعهم إلى الإيمان، وأقاموا لكم من البينات ما تبين به الحق، فكفرتم وزهدتم في الإيمان الذي خلقكم الله له، وخرجتم من رحمته الواسعة، فمقتكم وأبغضكم، فهذا

‏{‏أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُم‏}
‏ أي‏:‏ فلم يزل هذا المقت مستمرًا عليكم، والسخط من الكريم حَالَّا بكم، حتى آلت بكم الحال إلى ما آلت، فاليوم حلَّ عليكم غضب الله وعقابه حين نال المؤمنون رضوان الله وثوابه‏.‏

تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27/01/2009, 12:53 AM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 13/10/2008
المكان: Milanillo
مشاركات: 429
جزاااك الله خير على تفسير السووره ,,


تحياتي لك
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27/01/2009, 11:05 PM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 08/02/2008
المكان: فى قلب الزعيم
مشاركات: 2,351
جزاك الله الف خيير

تحياتي
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 12:12 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube