#1  
قديم 13/01/2007, 11:12 PM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 07/09/2005
مشاركات: 389
توحيد القلوب أولى من الحكم على صدَّام؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد كنت عزمت على ألاَّ أكتب في هذا الموضوع شيئاً، وقد كتب فيه كثيرون، وكلما كتب أو تكلم عالمٌ أو طالبُ علمٍ زادت الهوة، واتَّسع الخلاف -مع الأسف- ما بين مؤيدٍ لهذا أو معارضٍ لذاك، وهذا من القصور في النظر وضيق الأفق، فالمسألة لا تعدو أن تكون مسألة اجتهادية في تحقيق المناط لمسألة شرعية، إذ الكل متفق على الأصول الشرعية التي تحكم هذا الباب، وإنما اختلافهم في تنزيل هذا الحكم على شخص معين لاختلاف أنظارهم في بعض أحوال هذا المعين، والواقع الفعلي لأيامه الأخيرة، إنما الأمر الذي يجب ألا يُختلف فيه هو أن توحيد الصف وائتلاف الكلمة أولى بكثير من الحكم على صدَّام: هل مات مسلماً أم كافراً؟ أمَّا أن تكون هذه المسألة سبباً في الطعن في العلماء وطلاب العلم والدعاة، وسبباً للفرقة والاختلاف، فهذا مما يكرهه الله ورسوله، ولا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة شعاراً يفاضلون بها بين العلماء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (20/207): "مسائل الاجتهاد من عَمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلَّد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم".
فكان ينبغي على من خاض في هذه المسألة إن ظهر له رجحان أحد القولين أن يأخذ به دون أن ينكر على غيره، وإلا قلَّد من يثق فيه من العلماء وانتهى الأمر.
أمَّا تسويد الصفحات والوجوه بالردود على هذا أو ذاك، دون أخذ العبر والدروس من إعدامه، وما لابس ذلك من ظروف زمانية ومكانية وغير ذلك فهو من الحرمان، أو قل من قلة التوفيق لملاحظة حكمة الله، وسنته في خلقه.
إنَّ صدَّام حسين كان يعلن انتماءه لحزب البعث العربي الاشتراكي -الكافر- بل إنه أحد دعائمه، وقد حارب الله ورسوله أيام حكمه، وقتل من العلماء والمصلحين والأبرياء ما الله به عليم، وكان يحكم شعبه بغير ما أنزل الله، وجرَّ على شعبه وعلى الأمة الإسلامية الويلات والدمار، وكان يتحدث باسم البعث لا باسم الله، ثم نُقل عنه بالتواتر من أهل العراق أنه قد تغيِّر في نهاية حكمه للعراق، وربما صحب هذا الزعم شيءٌ من المبالغة، وقد وُجد في زمن المتناقضات من يرفع شعار الإسلام ويحاربه في آن واحد!، فإذا لاحظت ذلك كُلَّه، ثُم أضفت إليه أن العلماء نصُّوا على أن من كان مرتكباً ناقضاً من نواقض الإسلام، ولكنه ينطق بالشهادتين على وجه العادة فهو كافر حتى يتبرأ من هذا الناقض = علِمتَ مأخذ من حكم بكفر صدَّام، وعدم الترحُّم عليه من العلماء .
وأما الفريق الآخر فقد لحظوا أن صدَّاماً بعد سقوط بغداد وهروبه ظهرت منه قرائن تدل على نوع تغيُّر عنده: فقد قُبض عليه في مكان يدل على أنه كان يقرأ القرآن، ويصلي فيه وحده، أو مع نفرٍ قليلٍ من حرسه، وهذا ينفي عنه أنه كان يفعل ذلك على وجه العادة أو الخداع للشعب، حيث لا شعب ولا دولة، وكذا ما نَقل عنه الأعداء والأصدقاء عن حاله في السجن من كثرة صلاته وقراءته للقرآن، حيث لا يراه إلا الله عزَّ وجل وأعداؤه، وهذا نقلٌ ثابتٌ لا يتطرق إليه الشك، وفي هذه الأثناء لا يُعرف عن الرجل أنه كان يدعو لمبادئ حزب البعث الكفرية، مما قد يشير إلى أنه أقلع عنها فمن كان يرى من أهل العلم أنه لابد من التبرؤ مما كان يعلنه من الكفر رأى أنه ما زال على كفره، ومن كان يرى أن الإقلاع عن الكفر وعدم الوقوع فيه مع قرائن أخرى تدل على إسلامه حكم بإسلامه ولو لم يتبرأ صراحة، فالمسألة اجتهادية.
ومن القرائن التي تدل على تغير صدَّام في أيامه الأخيرة، آخرُ وصية كتبها قبل إعدامه؛ ففيها الكثير من التوجُّه إلى الله، والاستشهاد بالآيات، ولم يذكر حزب البعث ولا لمرة واحدة إلا إشادته بثورة 1968م التي مكَّنته من مسك زمام الحكم في العراق.
وعندما سيق إلى المشنقة ولم يبق بينه وبين الموت إلا لحظات لم يتوجَّه إلى حزب البعث، ولم يذكره، بل ذكر الله وتوجَّه إليه، ونطق بالشهادتين في ظروف يعرفها من استمع إليها وشاهدها، ومثل هذا التشهد في مثل هذا الظرف يصعب أن يكون على وجه العادة، ولو قالها خوفاً من المشنقة لقلنا لمن كفَّره: شققت عن قلبه؟ فكيف وقد قالها أمام من ساءهم نطقُه بها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، فالذي يغلب على الظن -والعلم عند الله- أن الرجل مات مسلماً تُرجى له الرحمة، وليس كلُّ من مات مسلماً يجب الترحُّم عليه، ورحمة الله واسعة "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
وأمَّا ما يذكره بعضهم من أن الحكم على صدَّام بإسلام يقتضي أنه كلما نطق مرتدٌ محاربٌ للإسلام بالشهادتين عند موته حكمنا بإسلامه، فجوابه: هل من كان حاله الكفر المحض عملاً واعتقاداً يثبِّته الله، ويوفقه للنطق بالشهادتين عند وفاته، وهو باقٍ على كفره؟ قال البغوي في تفسيره: "قوله تعالى: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ" كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله "فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" يعني قبل الموت، "وَفِي الآخِرَةِ" يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير.وقيل: "فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" عند السؤال في القبر، "وَفِي الآخِرَةِ" عند البعث، والأول أصح". أ.هـ ولو سلمنا أنَّ ذلك جائزٌ عقلاً، أليس هناك فرقٌ بين من كان يُصِّرح بالكفر، حتى إذا ما أدركه الموت نطق بالشهادتين، وبين من أظهر الإسلام قبل وفاته بزمن ولم يُصِّرح بكفر، ثم نطق بالشهادتين عند وفاته؟ أليس هذا من تثبيت الله له؟
وإني لأعجب من حماس بعض الناس لتكفير صدَّام، كما أعجب من حماس آخرين للترحم عليه، والغلو في التعاطف معه حتى عدُّوه شهيداً! وهو لم يقاتل في سبيل الله يوماً واحداً في حياته، ناسين جرائمه وقتله لعلماء المسلمين، فما أضعف العقول!.
وأيَّاً كان الأمر فالمسألة اجتهادية، وتوحيد القلوب أولى من اختلافها في الحكم عليه. والله أعلم.
الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 05:20 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube