#1  
قديم 31/01/2004, 01:40 AM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 22/06/2003
مشاركات: 304
الحلقة الخامسة من مسلسل الأبطال مع الأسد في براثنه "سعد بن أبي وقاص"


أقلقت الأنباء أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب"، عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس المسلحة على المسلمين.. وبمعركة الجسر التي ذهب ضحية لها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد.. وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم.. فقرر أن يذهب بنفسه ليقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد فارس؟؟
وركب في نفر من أصحابه مستخلفاً على المدينة "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه..
لكنه لم يكد يمضي عن المدينة، حتى رأى أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه المهمة واحداً غيره من الأصحاب..
وتبنى هذا الرأي "عبد الرحمن بن عوف"، معلناً أن المخاطرة بحياة أمير المؤمنين على هذا النحو والإسلامُ يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد..
وأمر "عمر" أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي: _الصلاة جامعة_ واستدعى علي بن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة إلى حيث كان أمير المؤمنين وأصحابه.. وانتهى الرأي إلى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر المجتمعون أن يعود "عمر" إلى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائداً آخر من المسلمين..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي وعاد يسأل أصحابه:
فمن ترون أن نبعث إلى العراق..؟؟
وصمتوا قليلاً يفكرون..
ثم صاح عبد الرحمن بن عوف: قد وجدته...!!
قال عمر: فمن هو..؟
قال عبد الرحمن:
"الأسدُ في بَراثِنِه.. سعد بن مالك الزُّهري.."
وأيد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين إلى سعد بن مالك الزهري -الذي هو سعد بن أبي وقاص- وولاه إمارة العراق، وقيادة الجيش..
فمن هو هذا " الأسد في براثنه"..؟
من هذا الذي كان إذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه قائلاً:
"هذا خالي.. فليُرِنِي امرُؤٌ خالهُ".!!
إنه سعد بن أبي وقاص.. جده أُهيْب بن مناف. عم السيدة آمنة أم رسول الله..
عانق الإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان إسلامه مبكراً.
دعا له الرسول -وقد رأي منه ما سره وقرَّ عينه- هذه الدعوة المأثورة:
"اللهم سدَّد رميتَه.. وأجب دعوته".
فعرف بين أخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو ذلك من نفسه وأمره، فلم يكن يدعو على أحد إلا مفوضاً إلى الله أمره.
وإن لسعد بن أبي وقاص لأمجاداً كثيرة يستطيع أن يباهي بها ويفخر..
بيد أنه لم يتغنَّ من مزاياه تلك، إلا بشيئين عظيمين..
أولهما: أنه أول من رَمَى بسهم في سبيل الله، وأول من رُميَ أيضاً.
ثانيهما: أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أُحُد:
"ارْم سعد.. فِدَاكَ أبي وأُمَّي"..
إذاً فسعد كان له سلاحان رمحه, ودعاؤه..
إذا رمى في الحرب عدوَّاً أصابه.. وإذا دعا الله دعاءً أجابه..!!

***

إذاً هو الأسد في براثنه "سعد بن أبي وقاص"..
إذاً فليغرس أمير المؤمنين لواء القادسية في يمينه. وليَرْم به الفُرس المجتمعين في أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدربين. المدجَّجين بأخطر ما كانت تعرفه الأرض يومئذ من عتادٍ وسلاح.. وتقودهم أذكى عقول الحرب يومئذ، وأدهى دُهاتها..
أجل.. إلى هؤلاء في فيالقهم الرهيبة. خرج سعد بن أبي وقاص في ثلاثين ألف مقاتل لا غير..
في أيدهم رماح.. مجرد رماح.. ولكن في قلوبهم إرادة الدين الجديد بكل ما تمثله من إيمان، وعنفوان، وشوق نادر إلى الموت، وإلى الشهادة..!!!
والتَقَى الجمعان...
ولكن. لا... لم يلتق الجمعان بعد..
وإن سعداً هناك ينتظر نصائح أمير المؤمنين عمر وتوجيهاته... وها هو ذا كتاب "عمر" إليه يأمره بالمبادرة إلى القادسية، فإنها –باب الفرس- ثم يقول له:
"اكُتب إليَّ بجميع أحوالكم... وكيف تنزلون..؟
وأينَ يكون عدوكم منكم...
واجعلني –بكُتُبِكَ إليَّ- كأني أنظر إليكم"..!!
وينزل سعد القادسية، ويجتمع الفرس جيشاً وشعباً، كما لم يجتمعوا من قبل، ويتولى قيادة الفرس أشهر وأخطر قوادهم "رُستم"..
فيكتب سعد لأمير المؤمنين قائلاً:
"إن رستم قد عسكر بـ "ساباط" وجر الخيول والفيلة، وزحف إلينا"..
فيكتب إليه أمير المؤمنين:
"لا يَكْرِبنَّك ما تسمع منهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلدِ، يدعُونه إلى الله... واكتب إليَّ في كل يوم.."

***

ونفذ سعد وصية عمر، فيرسل إلى "رستم" قائد الفرس نفراً من أصحابه يدعونه إلى الله وإلى الإسلام..
ويطول الحوار بينهم وبين قائد الفرس، وأخيراً ينهون الحديث ويعود والوفد إلى قائد المسلمين سعد، ليخبروه أنها الحرب...
وتمتلئ عينا سعد بالدموع..
لقد كان يود لو تأخرت المعركة قليلاً، أو تقدمت قليلاً.. فيومئذ كان مرضه قد أشتد عليه وثقلت وطأته... وملأت الدمامل جسده حتى ما كان يستطيع أن يجلس.
عندئذ هب "الأسد في براثنه" ووقف في جيشه خطيباً، مستهلاً خطابه بالآية الكريمة:
{ بِـسْـمِ اللَّهِ الرَّحَــــــمِن الرَّحِيْــــــــــمِ ولَقَدْ كَتَبنــا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَــا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ}.. صدق الله العظيم
وبعد فراغه من خطبته، صلى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبراً أربعاً:
الله أكبر... الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..
ودوَّى الكون وأوَّبَ مع المكبرين، ومد ذراعه كالسهم النافذ مشيراً إلى العدو، وصاح في جنوده: هيا على بكرة الله..
وصعد -وهو متحاملاً على نفسه وآلامه- إلى شرفة الدار التي كان ينزل بها ويتخذها مركزاً لقيادته..
دماملة تنبح وتنزف، ولكنه عنها في شغل، فهو من الشرفة يكبر ويصيح.. ويصدر أوامره لهؤلاء: أن تقدموا صوب الميمنة.. ولأولئك: أن سُدُّوا ثغرات الميسرة.. أمامك يا مغيرة.. وراءهم يا جرير.. اضرب يا نعمان.. اهجم يا أشعث.. وأنت يا قعقاع.. تقدموا يا أصحاب محمد..!!
وتهاوى جنود الفرس كالذباب المترنح.. وتهاوت معهم الوثنية وعبادة النار..!!
وطارت فلولهم المهزومة بعد أن رأوا مصرع قائدهم وخيرة جنودهم، وطاردهم الجيش المسلم حتى "نهاوند".. ثم "المدائن" فدخلوها ليحملوا إيوان كسرى وتاجه، غنيمة وفيئاً..!!

***

وفي موقعة "المدائن" أبلى سعد بلاءً عظيماً..
وكانت موقعة المدائن، بعد موقعة القادسية بقرابة عامين، جرت خلالها مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين، حتى تجمعت كل فلول الجيش الفارسي وبقاياه في المدائن نفسها، متأهبة لموقف أخير وفاصل...
وأدرك "سعد" أن الوقت سيكون بجانب أعدائه. فقرر أن يَسلُبهم هذه المزية.. ولكن أنّى له ذلك وبينه وبين المدائن نهر دجلة في موسم فيضانه وجيشانه..
وهكذا، أصدر "سعد" أمره إلى الجيش بعبور "دجلة".. وأمر بالبحث عن "مَخاضة" في النهر تمكن من هذا العبور.. وأخيراً عثروا على مكان لا يخلو عبوره من المخاطرة البالغة...
وتصف لنا الروايات التاريخية، روعة المشهد وهم يعبرون دجلة، فتقول:
"أمر سعد المسلمين أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.. ثم اقْتحَم بفرسه دجلة، واقْتحَم الناس وراءه، لم يختلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين، ولم يَعُدْ وَجْه الماء يُرَى من أفواج الفرسان والمشاة، وجعل الناس يتحدثون وهم يسيرون على وجه الماء وكأنهم يتحدثون على وجه الأرض، وذلك بسبب ما شعروا به من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ونصره، وَوَعْدِه، وتأييده"..!!
ونجحت خطة "سعد" يومئذ نجاحاً يذهل له المؤرخون..
نجاحاً أذهل سعد بن أبي وقاص نفسه..
وأذهل صاحبه ورفيقه في المعركة "سلمان الفارسي" الذي أخذ يضرب كفاً بكف دهشة وغبطة، ويقول:
"إنَّ الإسلام جديد..
ذُللت والله لهم البحار، كما ذُللَ لهم البرّ..
والذي نفسُ سلمان بيده ليخرُجُنَّ منه أفواجاً، كما دخلوه أفواجاً"..!!
ويوم ولى عمر سعداً إمارة العراق، راح يبني للناس ويُعمَّر. كَوَّف الكوفة، وأرسى قواعد الإسلام في البلاد العريضة الواسعة..

***

وذات يوم من أيام العام الرابع والخمسين للهجرة، وقد جاوز سعد سن الثمانين، كان هناك في داره بالعقيق يتهيأ للقاء الله:
ويروي لنا ولده لحظاته الأخيرة فيقول:
"كان رأسُ أبي في حجري، وهو يَقْضِي، فبكيتُ فقال:
"ما يُبْكيك يا بُني...؟؟
إن الله لا يُعذَّبني أبداً.. وإني من أهل الجنة"...!!
إن صلابة إيمانه لا يهونها حتى رهبة الموت وزلزاله.
ولقد بشره الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وأوثق إيمان... وإذن ففيم الخوف..؟
"إن الله لا يُعذَّبني أبداً.. وإني من أهل الجنة".
بيد أنه يريد أن يلقى الله وهو يحمل أروع وأجمل تذكار جَمَعه بدينه وَوَصله برسوله... ومن ثمَّ فقد أشار إلى خزانته ففتحوها، ثم أخرجوا منها رداء قديماً قد بَليَ وأخلق. ثم أمر أهله أن يكفنوه فيه قائلاً:
"لقد لقيتُ المشركين فيه يومَ بَدرٍ، ولقد ادَّخَرتُه لهذا اليوم"...!!
وفوق أعناق الرجال حُمِلَ إلى المدينة جثمان بطل القادسية وآخر المهاجرين وفاة، ليأخذ مكانه في سلام إلى جوار ثُلةٍ طاهرة عظيمة من رفاقه الذين سبقوه إلى الله، ووجدت أجسامهم الكادحة مرفأ لها في تراب البقيع وثراه.

***

فوداعاً، سعد..
وداعاً، بطل القادسية، وفاتح المدائن، ومُطفئ النار المعبودة في فارس إلى الأبد...!!

ولتكوني معي في الحلقة السادسة من مسلسل الأبطال ومع بطلٍ سادس من أبطال الإسلام..
إنه صقرُ يوم أُحُد..
وجارُ رسول الله في الجنة..
"طلحة بن عبيد الله"
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06/02/2004, 05:26 PM
موقوف
تاريخ التسجيل: 17/07/2003
المكان: ***
مشاركات: 951
يعطيك العافية.
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06/02/2004, 08:55 PM
عضو غير عادي
تاريخ التسجيل: 14/03/2002
المكان: الـريـــــــــــاض
مشاركات: 10,107
الـحـاتـمــي ...


مــر مـــن هــــنــــــا ...



ويـقـول : جزاك الله خير على هذه القصص و العبر ,, وبانتظار المزيد ...
اضافة رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09/02/2004, 08:18 PM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 27/04/2001
المكان: الدمــــــــــــام
مشاركات: 290
جزاك الله خير
اضافة رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14/02/2004, 11:55 PM
زعيــم جديــد
تاريخ التسجيل: 05/02/2004
مشاركات: 1
الله يجزاك بالخير
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 01:20 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube