#1  
قديم 09/05/2003, 07:31 PM
موقوف
تاريخ التسجيل: 05/03/2003
المكان: أبــــهــــــــا البهية الي ترد العجوز صــبــيــة
مشاركات: 256
Post صلاح عمر العلي يروي قصة صدام((الثالثة))

وره غسان شربل الحياة 2003/03/10

صدام حسين
في موازاة الحوار مع صلاح عمر العلي، العضو السابق في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث، التقيت سياسياً عراقياً كان الى جانب أحمد حسن البكر وصدام حسين على مدى سنوات طويلة.

قال السياسي العراقي: "كنت جالساً في مكتب السيد النائب صدام حسين حين ابلغوه ان الرجل الثاني في دولة عربية يريد التحدث اليه. هممت بالخروج لكن اشارة منه ارغمتني على البقاء. تبادلا حديثاً ودياً. ولدى انتهاء المكالمة نظر صدام الي بابتسامة مغموسة بالخبث وقال: نحن رجال الصف الثاني نحرص على تبادل وجهات النظر".

سألته هل كان صدام يقيم فعلاً في الصف الثاني فأجاب: "دعني أروي لك واقعة ولك ان تستنتج ما تريد. في 1974 دخلت مكتب الرئيس أحمد حسن البكر وكانت علاقتي به وثيقة. شرحت له ظروفي وقلت انني جئت لتقديم استقالتي. نهض البكر فجأة ووقف وراء الكرسي واختلطت مشاعر الغضب والألم في عينيه. قال البكر (...) على هذه الكرسي. ما هذه الرئاسة؟ أخ ما أغباك يا أبو هيثم (عن نفسه) كيف قبلت معهم ان تتولى هذا المنصب. كم كان أفضل لو لم تفعل".

ويضيف السياسي: "انتابتني حال من الذهول الكامل، فالمتحدث هو أحمد حسن البكر الرجل الذي يرفق اسمه كلما ورد بأرفع الألقاب الرسمية والحزبية والعسكرية. وهو رجل معروف وصاحب تاريخ ويفترض الآن انه صاحب الكلمة الأخيرة. أدرك البكر ذهولي فسارع الى القول: جئت لتقديم استقالتك؟ لا أنت تستطيع الاستقالة ولا أنا استطيع. إننا أسرى".


احمد حسن البكر
وأضاف السياسي: "في السنوات الأخيرة كان البكر يعرف تماماً انه صار محاصراً من كل الجهات. كان يعرف ان ولاء حراسه صار للسيد النائب. لم يعد يجرؤ على التحدث عن صدام بشكل سلبي لا في مكتبه ولا في منزله خوفاً من ان تكون للجدران آذان".

لا غرابة ان يغدر الرجل الثاني بالرجل الأول، لكن ما فعله صدام مع الرجل الذي رعاه واتكأ عليه يفوق الوصف فعلاً. كان صدام يأمر وسائل الاعلام بتبجيل "الأب القائد" لكنه كان يعمل لنزع ما تبقى من أنياب لديه. وكان البكر يتألم صامتاً فقد صار رئيساً للجمهورية في عهد نائب الرئيس.

بعد ساعات كان لي موعد جديد مع صلاح عمر العلي الذي اعتبر لفترة من أقرب الناس الى البكر واحتفظ لسنوات بعلاقات مع الرجل وعائلته. سألته فكشف ان محمد النجل الثاني للبكر أدرك مبكراً خطورة الرجل الثاني، وكان يردد باستمرار: "لن يقتله أحد غيري سأخلص الشعب العراقي منه". ونقل عن مصادر وثيقة جداً ان مشادة وقعت في القصر بين محمد وصدام شهر خلالها الأول مسدسه واطلق النار. لكن حظ محمد سيء كحظ كل من عارضوا واعترضوا. ذات يوم اعترضت شاحنة سيارته فقتل مع عائلته. قصم "الحادث المؤسف" ظهر "الأب القائد" الذي توجع بصمت.

لا رحمة في لعبة السلطة في بلاد الدوي العميق والتاريخ المضطرب. ترتدي عباءة القاتل أو ترتدي ثياب القتيل.

لم يرحم أحداً، أزاحهم تباعاً. سقط البكر كالثمرة الناضجة وجاء الى الاجتماع مقترحاً تسليم كل المفاتيح للسيد النائب. ارتكب بعض أعضاء القيادة اثم محاولة اقناع البكر بالبقاء فجاء العقاب شديداً ومريراً. سقطوا في وليمة غير عادية وبرصاص رفاقهم في الحزب.

وهنا الحلقة الرابعة:

< ألم تعلنوا بعد تسلمكم السلطة عن مؤامرات لتصفية معارضي النظام؟
- نعم تم الإعلان عن اكتشاف مؤامرات. وكثيرون ينفون وجودها ويعتبرونها مفتعلة من قبل البكر أو صدام أو قيادة الحزب، وأن الغرض منها كان تصفية العناصر التي يخشى من تحركها مستقبلاً ضد النظام. هنا سأكشف قصة عن واحدة من هذه المؤامرات الكبرى والتي سميت مؤامرة اللواء عبدالغني الراوي والتي تبعت الإعلان عنها إعدامات. الراوي لواء ركن في الجيش العراقي، شجاع جداً ومعروف. وهو لا يزال حياً ويعيش في السعودية.

قيل إن تلك المؤامرة مجرد أكاذيب ومفتعلة. قصة المؤامرة حصلت في 1969. أحياناً تدعوك بعض الوقائع والكتابات إلى التشكيك. خدمة للحقيقة سأقول الآتي. في 1992 ذهبت إلى السعودية لتأدية مناسك العمرة. بالصدفة التقيت عبدالغني الراوي الذي كان خارج الجيش لدى تسلمنا السلطة. جلسنا وإذ بعبدالغني الراوي يحكي لي القصة كاملة من باب الأمانة للتاريخ. روى لي تفاصيل المؤامرة بالساعات والأسماء، وهي مؤامرة كان يقودها ضد الحزب مع مجموعة من الضباط والمدنيين بدعم من الاستخبارات الأميركية. قال لي الراوي إن إيران كانت طرفاً في تلك المؤامرة التي استهدفت إطاحة النظام. عندما أعلن عن المؤامرة كان الراوي خارج العراق. طبعاً الراوي معروف تولى منصب نائب رئيس الوزراء في عهد عبدالسلام عارف ووزير زراعة ثم تقاعد.

< ماذا خططوا؟
- أعدوا لعملية عسكرية ضد النظام. اكتشفت الخطة فاعدم عدد وسجن عدد آخر. هذه العملية كتب عنها الكثير باعتبارها محاولة من البعثيين لتصفية بعض الناس. أنا شخصياً كدت اقتنع بهذا الكلام وقلت اننا ربما استغفلنا يومها وصدقنا الرواية. إنها الصدفة جمعتني بالراوي. قال لي إنه كان يتردد مع آخرين، أورد اسماءهم، على منزل شاه إيران وكان يطلب منهم أن يتصلوا بزعماء عشائر وشخصيات كردية لتحضير الجو للعملية.

قصة انكشاف المؤامرة نفسها غريبة. كان عبدالغني الراوي يتصل باثنين من العسكريين ويكلفهما مهمات في إطار هذه المؤامرة. لم يخطر بباله أن الاثنين ينتميان إلى الحزب وأطلعاه عليها. طبعاً لم يعد ثمة مجال للتشكيك. أي مصلحة للراوي أن ينسب هذه المسألة إلى نفسه إن لم تكن صحيحة. قال الرجل إنه كشف الأمر لي أمانة للتاريخ. إن نفي وجود مؤامرات بالمطلق غير صحيح تماماً كنفي وجود جواسيس. أما أن يكون هناك من ظلم فإنني لا استطيع أن أؤكد أو أنفي. أسوق رواية لا يزال بطلها حياً.

< بعد 30 تموز (يوليو) 1968 وسع الحزب سيطرته على مواقع القرار؟
- نعم بعد التخلص من رئيس الوزراء عبدالرزاق النايف ومجموعته تغيرت تركيبة مجلس قيادة الثورة. رفض النايف تولي منصب سفير وذهب إلى بريطانيا. أما وزير الدفاع عبدالرحمن داود فقد عُيّن سفيراً في اسبانيا لفترة ثم غادر إلى السعودية حيث يعيش حتى الآن. بعد وقت قُتل عبدالرزاق النايف في لندن. من خلال ما سمعته فهمت أن المخابرات العراقية قتلته. اعتقلت السلطات البريطانية أشخاصاً وأبعدت عدداً من العاملين في السفارة العراقية في لندن. وهناك شخص أمضى فترة طويلة في السجون البريطانية ولا أعرف ان كان افرج عنه أم لا.

< من أبرز الذين قتلوا من رفاق الطريق؟
- على مدى 34عاماً قتل كثيرون. عشرات من قياديي وكوادر حزب البعث قتلوا. وقتل أشخاص عدة ممن شاركوا مع الحزب في السلطة. أما إذا أردنا الحديث عن القتل عموماً، فيمكن الحديث عن عشرات الآلاف.

< من هم أبرز البعثيين الذين قتلوا في هذه المرحلة؟
- أبرز الذين قتلوا على يد النظام عبدالكريم الشيخلي الذي كان عضو قيادة قومية وقيادة قطرية وعضو مجلس قيادة الثورة وتولى بعد 30 تموز 1968 حقيبة الخارجية.

< ما هي ملابسات مقتله؟
- ادخل الشيخلي إلى السجن ثم افرج عنه. بعدها بفترة قصيرة كان متوجهاً مع زوجته وأطفاله إلى دائرة الكهرباء لتسديد فواتير. اوقف السيارة وحين غادرها اقترب منه ملثمون وأردوه.

الصديق القتيل
< كان الشيخلي صديقاً حميماً لصدام؟
- إنه من الأصدقاء التاريخيين لصدام. نحن نعرف هذه العلاقة. كان الشيخلي بمثابة الأب الروحي لصدام. رجل مثقف وبنى نفسه بالجهد. واسع الاطلاع على أمور كثيرة. ذات يوم وخلال إحدى الرحلات كان معنا قائد القوة الجوية العراقية نعمة الدليمي، وهو ضابط مشهود له بالخبرة، وحصل نقاش بينه وبين الشيخلي حول الطائرات العسكرية ومزاياها. اذكر أن الدليمي قال للشيخلي في آخر الحديث: "ادهشتني دقة معلوماتك وانني اتساءل لماذا عينت أنا ولدى القيادة من هو أفضل مني".

كان الشيخلي صاحب ثقافة واسعة. في الأوقات الصعبة وحين كنا نحتاج إلى إعداد تقرير مهم ورفيع المستوى كانت المهمة توكل إلى الشيخلي. ونظراً لما كان يكنه لصدام كان الشيخلي يساعده ويوسع آفاقه.

< لماذا خرج الشيخلي من السلطة؟
- لفهم هذه المسألة لا بد من العودة إلى المشكلة الأم، وهي اتفاق البكر وصدام استناداً إلى صلات القربى، على استبعاد أي شخص قوي يمكن أن يشكل بديلاً أو يطالب بأن يكون شريكاً. اتفقا على الامساك بالسلطة من دون أي شريك.

عبدالكريم الشيخلي من عائلة معروفة في بغداد. رجل ذكي وشجاع ومطلع. شارك في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم مع صدام وهربا معاً إلى دمشق. علاقتهما كانت قوية وحميمة. والشيخلي نفسه كان يقول نحن شخص واحد في جسدين، أي روح واحدة في جسدين. كان يستخدم هذه العبارة لكن كل ذلك لم يشفع له لاحقاً.

< واغتيال حردان التكريتي؟
- موضوع حردان مختلف. شخص شجاع وعسكري قديم وقدير. لم تكن لحردان صلة رسمية بالحزب. كان صديقاً. الواقع ان حردان شارك في أكثر من خطة لتغيير الأنظمة في العراق منذ 8591. عسكري شجاع ومتمرس. كان صدام ينظر إلى هؤلاء عكس نظرتنا إليهم. كنا نقدرهم أما هو فلديه مقياس واحد: من يمكن أن يشكل بديلاً أو خطراً أو قوة اعتراض لا بد من إلغائه. كان حردان بين أول من قتلوا. طبعاً اعفي من منصبه وابعد إلى خارج العراق. طلبوا منه أن يعمل سفيراً في المانيا ولم يقبل. غادر المانيا إلى الكويت فقتلته المخابرات العراقية هناك.

< من هو ناظم كزار؟
- إنه مهندس عراقي يمتاز بذكائه الحاد. بعثي منح لاحقاً رتبة لواء في إطار سياسة توزيع الألقاب التي اعتمدها صدام. استهتر بقواعد المؤسسة العسكرية إلى حد فظيع. أخل بكل الاصول والمراحل والرتب والشروط. أطاح كل شيء. تصور أن علي حسن المجيد كان برتبة نائب ضابط وإذ به يمنحه ذات يوم رتبة فريق ركن ويعينه وزيراً للدفاع. ولك أن تتخيل مشاعر الضباط في الجيش. وهناك حسين كامل الذي كان شرطياً. اعطاه رتبة فريق ركن وعينه وزيراً للدفاع ووزيراً للتصنيع العسكري. أي أنه اعطاه أخطر وزارتين على رغم كونه شبه أمي ويعجز تقريباً عن الكتابة.

< وعزة إبراهيم؟
- انه شخص مدني وحزبي. لم يصل إلى الجامعة. أعرفه معرفة دقيقة فقد كنت مسؤوله الحزبي لأربع سنوات.

< هل صحيح أنه كان بائع ثلج؟
- لا أعرف هذه المسألة، وهي ليست نقصاً خصوصاً في الأحزاب والثورات. عزة إبراهيم من مدينة اسمها الدور تقع بين سامراء وتكريت. منذ البداية انحاز عزة إبراهيم وطه ياسين رمضان إلى صدام.

< وطه ياسين رمضان؟
- كان ضابط صف.

البكر وطارق عزيز

< وطارق عزيز؟
- عندما تسلّمنا السلطة في 1968 لم تكن لطارق عزيز أي علاقة بالحزب على رغم أنه حزبي قديم. وكان طارق في لقاءاته مع بعض رفاقنا يوجه اتهامات وشتائم إلى الحزب. بعد تسلمنا السلطة كان طموح طارق عزيز أن يدعمه أصدقاؤه لاقناع القيادة بتعيينه ملحقاً صحافياً في موسكو. وهناك طلب قدمه طارق إلى وزير الإعلام عبدالله سلوم، وموجود في ملفات الوزارة، لتعيينه في هذا المنصب وقد رفض طلبه. أنا أعرفه منذ 1959 يومها كنا أعضاء في الحلقة الحزبية نفسها. عندما تسلمنا السلطة برزت حاجات الدولة. طارق عزيز صحافي ناجح ومتمرس. صدام عينه رئيساً لتحرير جريدة "الثورة". اذكر أن الرئيس البكر طلب أن يراني وحدثني على انفراد. قال لي: "أنا لا اثق بطارق عزيز ولا بسياسته ولا بأفكاره وسأطرح غداً في الاجتماع اخراجه من منصبه، وسأطرح اسمك كبديل له إضافة إلى مهامك". هذا في 1970. حاولت أن اعتذر فأصر. وفي اليوم التالي اخرج طارق من جريدة "الثورة" وتوليت شؤونها. أعاده صدام لاحقاً وعينه في وزارة الإعلام ثم وزيراً للخارجية. شعر طارق بامتنان شديد لصدام الذي أعطاه فرصة الصعود في المواقع الحزبية والرسمية فقد صار عضواً للقيادة القطرية ونائباً لرئيس الوزراء. إنسانياً من الطبيعي أن يكون طارق إلى جانب من منحه الفرص.

< ولطيف نصيف جاسم.
- حزبي قديم وصديق لصدام.

< ربطتك علاقة قوية بالرئيس البكر؟
- نعم، وكنت في البداية من أقرب الناس إليه.

< والتقيت أفراد عائلته لاحقاً، ما قصة مقتل نجله محمد، وهل كان حادث السير مدبراً؟
- محمد هو النجل الثاني للبكر. أولاد البكر امتازوا بأخلاق عالية جداً وابتعدوا عن أي تدخل أو استغلال موقع والدهم للحصول على المال أو النفوذ. ادرك محمد باكراً ان اعطاء صدام حسين فرصة التصرف كما يشاء في الحزب والدولة سيقود البلد إلى كارثة. بدأ محمد بتوجيه انتقادات إلى صدام وراح الجو يتوتر بين الاثنين. ثم تحول الخلاف إلى عداء. لا اريد ذكر أسماء، لكن شخصاً من القريبين والمطلعين روى لي أن محمد سحب مسدسه في القصر الجمهوري واطلق النار وكاد يقتل صدام بعد مشادة بينهما.

ومحمد كان رياضياً وشجاعاً وكان يكرر أمام أفراد العائلة ان صدام لن يقتل إلا على يده و"يجب أن اخلص الشعب العراقي من صدام". ذات يوم كان محمد مع زوجته وطفليه في السيارة على طريق في شمال بغداد، وفجأة ظهرت شاحنة وضربت سيارته فقتل مع أفراد عائلته.

< تجزم أن الحادث مدبر؟
- لا يختلف اثنان في ذلك.

< وماذا فعل البكر؟
- حطمته الحادثة وكسرت ظهره. لم يفعل شيئاً ربما لتفادي الأسوأ فقد كان صدام سيطر على الماكينة الأمنية.

< وماذا عن برزان التكريتي؟
- شاب بسيط من عائلة فقيرة. انه اخ غير شقيق لصدام. لم يكمل دراسته. عين لاحقاً رئيساً لدائرة المخابرات، وبحكم علاقته بصدام كانت صلاحياته مطلقة. فرض هيمنة المخابرات على دوائر الدولة والحزب في صورة تدريجية إلى أن سيطرت دائرة المخابرات على كل شيء. لم يعد يسمح لوزير أن يعين سائق سيارة من دون موافقة المخابرات، والأمر نفسه بالنسبة إلى المناقلات. هيمنت المخابرات على الحزب والدولة والشعب. قامت دولة المخابرات والخوف والرعب. دمروا العلاقات الإنسانية. صار الاخ يشك بأخيه والزوج بزوجته. حصلت وشايات داخل الأسر وتسببت بإعدامات. صار كل شخص يعتقد ان الآخر عميل للمخابرات. اشاعوا الشك والرعب. وهذه الحالة مستمرة في العراق.

بلا عاطفة
< لنعد إلى ناظم كزار؟
- كزار ذكي إلى درجة غير عادية وشجاع جداً ودموي لا يعرف الخوف ولا التردد. عندما تسلمنا السلطة لم تكن لدينا أي رغبة في اعطاء فرصة لعدد من الحزبيين الذين ارتبطت اسماؤهم بالجرائم التي ارتكبت في 3691 وفي طليعتهم كزار. في تلك المرحلة كان كزار في لجنة للتحقيق مع الشيوعيين. فوجئنا بتعيين الرجل مديراً للأمن العام، فحصل استياء في صفوف الحزبيين. اضطر صدام لعقد ندوة للكادر الحزبي كنت مشاركاً فيها. اعترض الحزبيون على التعيين. استمع صدام ثم أجاب: أنا اتفق مع اعتراضاتهم ولكن سأعطيكم وجهة نظري. نحن لدينا دولة اليوم وبعض دوائرها يقتضي وجود مختصين. هذه تحتاج مهندساً وتلك تحتاج اقتصادياً. وعندما دوائر أمن تحتاج إلى متخصصين. ليس هناك في المجتمع العراقي من هو مختص بمسائل الأمن أكثر من ناظم كزار. ذاكرته قوية ويعمل بلا عاطفة. لديه مؤهلات لا يملكها أحد ونحن مضطرون إلى الافادة منها.

عين ناظم كزار ووسع دائرة الأمن العام. وشكل مكتباً للاشراف على الأمن والمخابرات معاً يديره صدام حسين. طبعاً كان كزار حزبياً ملتزماً إلى أبعد الحدود.

راح كزار يراقب الأحداث ووجد أن تجربة الحزب بدأت تلتوي لمصلحة البكر وصدام وبدأ يخطط للتخلص من الاثنين.

المؤامرة المزدوجة!
< ماذا كانت خطته؟
- غادر البكر إلى أحد البلدان الاشتراكية وصار البلد في عهدة صدام خلال غيابه. فكر كزار أنه حين يعود البكر سيذهب صدام لاستقباله ومعه عدد من كبار المسؤولين في الدولة والحزب. اعتبر المناسبة فرصة للتخلص من الاثنين معاً. حدد موعد وصول البكر وتم ابلاغ المسؤولين. طبعاً كزار مسؤول عن تدابير الأمن. قبل ساعتين أو ثلاث من موعد وصول البكر كان هناك موعد رتبه كزار. قال لبعض المسؤولين إن الأمن العام افتتح دائرة جديدة للأمن وزودها تكنولوجيا حديثة واريدكم أن تطلعوا عليها. وكان بين المدعوين حماد شهاب وزير الدفاع وسعدون غيدان وزير الداخلية، إضافة إلى آخرين. عندما وصلوا إلى مقر الأمن العام اعتقلهم بانتظار تنفيذ الخطة وكان وزع رشاشات على سطح المبنى في المطار ومواقع أخرى.

هنا حصل خطأ ما غيّر كل الحسابات. تأخر البكر في الوصول. وتضاربت الروايات لاحقاً. بينهم من قال إن رئيس إحدى الدول أصر على تكريمه بضع ساعات إضافية. وثمة من قال إن إحدى المخابرات الشرقية عرفت الخطة فطلبت من البكر أن يؤجل قليلاً موعد وصوله إلى بغداد. وهناك من قال إن مسائل فنية في الطائرة ارغمت البكر على تأخير الاقلاع. لم يصل البكر في الموعد المحدد، فارتبك ناظم كزار. تخوف أن تكون الخطة كشفت. وحتى ولو لم تكتشف فإن صدام الذي توجه إلى المطار سيعرف لاحقاً أن كزار اعتقل وزيري الدفاع والداخلية. اختار في النهاية الهرب مع مجموعته مصطحباً المحتجزين معه. اتجه نحو الحدود الإيرانية وطارده الجيش فاقترح عبر الجهاز لقاء تفاهم في بيت عبدالخالق السامرائي.

رُفض الطلب والقي القبض على كزار بعدما قتل حماد شهاب وجرح سعدون غيدان. جيء به إلى القصر. هنا يقال إن البكر كان يريد اجراء تحقيق مع كزار في حين كان صدام يدفع باتجاه عدم اجراء تحقيق بحجة أن لا جدوى من ذلك. واعدم كزار سريعاً.

هنا ظهر تفسير مفاده أن المطار كان مسرحاً لخطتين: الأولى تورط فيها كزار مع صدام وكان الغرض منها التخلص من البكر. والثانية خطة كزار نفسه لاستغلال المناسبة للتخلص من الاثنين. وسبب هذا التفسير الذي ساد الأوساط الحزبية ان كزار كان مقرباً جداً من صدام.

ارغام "الأب القائد"
< ما قصة المؤامرة التي قال صدام حسين انه اكتشفها بعد تسلّمه السلطة في 17 تموز 1979؟
- وقّعت سورية والعراق على ميثاق وحدوي. كان هناك تفاهم على ان يكون البكر رئيس دولة الوحدة وان يكون الرئيس حافظ الاسد نائباً له. فجأة وجد صدام نفسه مهدداً بالخروج من اللعبة واحباط ما خطط له. الخطوة أوغرت صدره ضد من ساروا في مشروع الوحدة.

هنا يجب ان نتذكّر ان صدام حسين الذي كان شاباً لدى تسلّم الحزب السلطة اختار التحالف مع البكر بانتظار ان تجيء الساعة المناسبة للقفز الى السلطة. استظل بالبكر واحتمى به وراح يبني مشروعه الشخصي في ظل من كان يسميه "الأب القائد". في 1968 لم يكن صدام جاهزاً. كان شاباً وتنقصه التجربة ولم يكن صاحب رصيد في الحزب او الشارع في حين كان وضع البكر مختلفاً.

نفّذ صدام خطة أعدها بعناية للهيمنة على كل مواقع القرار في الحزب والاجهزة الامنية والاعلام. طوّق البكر من كل الجهات بما في ذلك جهاز امن رئاسة الجمهورية. وكانت خطته تقضي بفصل البكر عن قاعدته العسكرية والشعبية. عندما اطمأن الى نضج الظروف ضغط على البكر للاستقالة.

< هل تعتقد انه أرغمه على الاستقالة؟
- لا شك في هذه المسألة. صحيح انني كنت خارج الهيئات القيادية للحزب لكن كانت لي صداقات عميقة داخل هذه الهيئات وداخل الدولة.

< نريد تأكيداً محدداً؟
- لا أريد الخوض في الاسماء لكنني اقول انني التقيت عدداً من افراد عائلة البكر والمقرّبين منه. اجمع هؤلاء على ان صدام اجبر البكر على التنازل. ولم يكن امام البكر خيار آخر. عقد لقاء ثنائي بين البكر وصدام وطُرحت خلاله المسألة واتفقا على عقد لقاء للقيادة في اليوم التالي لاعلان الخطوة.

الاعتراض والثمن

طارق عزيز
في لقاء القيادة القطرية تحدث البكر فقال انه متعب ومتقدم في السن وانه أخذ قراراً لا رجعة فيه بالاستقالة. وقال البكر ما معناه: الرفيق صدام رفيقكم واخوكم، تدرّب وتعلّم وهو قائد كبير ومؤهل لقيادة العراق واعتقد انه خير من يحمل الراية بعدي.

اعضاء القيادة الذين لم تكن لهم علاقة باللعبة فوجئوا. كان لدى معظم هؤلاء شعور بأن البكر لا يزال يشكّل حاجة وان وجوده كمظلة للثورة والحزب والسلطة يشكّل ضمانة. وشعر هؤلاء ان صدام لا يزال غير مؤهل لتولي قيادة بلد معقّد وكثير المشاكل مثل العراق. اعترض هذا الفريق على قرار البكر بالتنحي. وبين المعترضين عدنان الحمداني وغانم عبدالجليل ومحمود محجوب ومحمد عايش ومحيي الشمري او المستهدي. كان هؤلاء يريدون استمرار البكر لترسيخ المؤسسات والاستقرار. لم يعترضوا على شخص صدام بل تخوّفوا على مستقبل تجربة الحزب والبلد.

عندما اعترضوا اعتبر صدام موقفهم مؤامرة كبرى ورأى فيهم عائقاً امام مسيرة تفرّده بالسلطة.

أصر البكر على موقفه ولم يكن امام الحاضرين غير القبول بصدام فوافق الفريق المعترض على مضص. طبعاً كان هناك بين الاعضاء من رحّب باختيار صدام مثل عزت ابراهيم وطه ياسين رمضان وحسن العامري وطارق عزيز.

دموع القائد
< وتولى صدام الرئاسة؟
- تولى الرئاسة وأعلن اكتشاف مؤامرة خطيرة تقودها سورية وادواتها اعضاء في القيادة ومعهم كوادر عسكرية ومدنية من الحزب. وخلال 48 ساعة اعدم 54 من القياديين والكوادر الحزبية. وهي كانت المجزرة الكبرى.


حردان التكريتي
دعا صدام الى ندوة للكادر الحزبي في بغداد لاقناع الاعضاء بوجود مؤامرة. تحدث صدام مستخدماً قدراته الاستثنائية في التمثيل. تحدّث وكشف وأعرب عن استغرابه واستهجانه. ولم يتردد في التعبير عن ألمه وحتى في البكاء.

قدّم معلومات مضحكة ومخزية وغير مقنعة لأي انسان. محمد محجوب كان وزيراً للصناعة التي كانت توقّع سنوياً على عقود بعشرات البلايين، اتهمه بتقاضي 15 ألف دولار من الملحق العسكري السوري وأعطى فلاناً خمسة آلاف دولار. هل يحتاج محمد عايش الى رشوة بهذا الحجم وهو الذي يوقّع على عقود بالبلايين؟ كان محمد عايش مستقيماً ونزيها.

شرح صدام المؤامرة بمراحلها. وفي النهاية فتح باب الاسئلة. فوقف شخص وطلب الكلام ولم يكن هذا الشخص سوى ابن عمه علي حسن المجيد. قال المجيد: يا سيدي هذه المؤامرة التي حدّثتنا عنها لن تكون الأخيرة ما دام عبدالخالق السامرائي حياً.

كان عبدالخالق السامرائي معتقلاً منذ سنوات في زنزانة انفرادية ولم يُسمح له بمقابلة أي انسان.

وضع صدام يده على شاربه وقال لعلي حسن المجيد: "خذ من هذا الشارب لن تصبح الشمس على عبدالخالق السامرائي".

وفي اليوم التالي اخرج السامرائي من السجن وأُعدم بطريقة همجية مقزّزة.

< لماذا هذا الحقد على السامرائي؟
- لو سألت ألد اعداء البعثيين عن عبدالخالق السامرائي لسمعتهم يشيدون به. انسان بريء ونقي ومخلص ونزيه وزاهد بكل شيء. قتله صدام حسين لانه كان بسلوكه يطرح النموذج النقيض. كان عضواً في القيادتين القومية والقطرية وفي مجلس قيادة الثورة وكان مسؤولاً عن المكتب الثقافي القومي للحزب. كان يشكّل النموذج النقيض لنموذج صدام المهووس بالسلطة والمظاهر والبذخ واستباحة كل التقاليد والأعراف. راقب صدام صعود شعبية السامرائي داخل الحزب وخارجه. صار وجوده مصدر إحراج. عندما صدر قرار بتعيين اعضاء القيادة القطرية للحزب وزراء اسندت اليه حقيبة العمل والشؤون الاجتماعية. رفض وتمسك بموقفه مفضّلاً الاستمرار في خدمة الحزب والناس، وكانت ابواب مكتبه مفتوحة للجميع.

الذريعة التي استخدمت للايقاع به هي الآتية: عندما حصلت مؤامرة ناظم كزار مدير الامن العامفي 1973وفشلت، اقترح كزار عبر جهاز الارسال ان يحصل لقاء في منزل عبدالخالق السامرائي لترتيب المسألة. اختار كزار منزل السامرائي لأنه ليس طرفاً في القضية. تعمّد صدام تفسير المسألة على انها دليل على تواطؤ السامرائي مع كزار. زجّ به في السجن وصدر ضده حكم بالاعدام.

اضطرت السلطة الى عدم تنفيذ الحكم بفعل الضغوط الداخلية والخارجية. أبقاه في السجن الى ان تعهد قتله.

رصاصة "الرفاق"
< بكى صدام خلال كشف مؤامرة الرفاق؟
- نعم قال انه حزين وظهرت الدموع في عينيه لاستدرار عطف الحاضرين. انه ممثل بارع جداً. كانت المجزرة استثنائية. غانم عبدالجليل كان مدير مكتب صدام، وعدنان الحمداني بمثابة رئيس وزراء، محمد محجوب كان وزيراً للتعليم العالي، محمد عايش وزيراً للصناعة، محيى الشحري كان مديراً عاماً لمجلس قيادة الثورة، أعدمهم ولم يرفّ له جفن.

< هل تؤكد رواية انه تعمّد اشراك حزبيين في اعدامهم؟
- هذه مسألة بالغة الخطورة. انه اسلوب يرمي الى توريط اكبر عدد من الناس. استدعى صدام قيادات الحزب في المحافظات ووزعهم على مجموعات. وكلّفت كل مجموعة باعدام واحد من اعضاء القيادة. كان واضحاً ان من لا يطلق النار ستُطلق النار عليه. أرغم قيادات الحزب على المشاركة في قتل المتآمرين. تصوّر الانعكاسات السلبية داخل الحزب، وكم تعقّدت العلاقات بين الناس. تصور شعور حزبي يُرغم على اعدام عضو في القيادة من دون ان يكون مقتنعاً بأنه مذنب.

لاحقاً استدعى صدام سفراء عراقيين واعدم وسجن. أعدم محمد صبري الحديثي وكيل وزارة الخارجية ومرتضى الحديثي الذي كان سفير العراق في الاتحاد السوفياتي وسجن عشرات الضباط والملحقين العسكريين وتعرضوا لتعذيب لا يتخيّله انسان.

"قصر النهاية"
< هناك روايات ان صدام كان يشارك شخصياً في التعذيب؟
- انا في الحقيقة لا املك دليلاً في هذا المجال. اقول لأن صدام ارتكب الكثير وألصق به الكثير ايضاً. يجب ان نتصف بالأمانة في استرجاع الاحداث. الواقع انني لا اعتبر الامر مهماً. فحتى ولو لم يشارك شخصياً فإن المسؤولية تقع عليه كونه صاحب القرار اساساً في الاجهزة الامنية.

< ما هي قصة "قصر النهاية"؟
- انه احد القصور الملكية وهو قريب من منطقة القصر الجمهوري. اتُخذ مقراً لدائرة الاستخبارات العراقية وصار اسمه مرعباً لكل عراقي.

< هل كان صدام يتردد على "قصر النهاية"؟
- طبعاً. كان يمضي معظم وقته هناك. عندما عرضت فكرة اعادة تشكيل اجهزة الامن بعد تموز (يوليو) 1968 اتفقنا على تشكيل دائرة للعلاقات العامة لننزع من أذهان الناس سمعة المخابرات. عرض علينا ان نتولاها فرفضنا تباعاً لكن صدام قبل. بدأ يبني هذه المؤسسة الامنية ويستخدمها منطلقاً للسيطرة على الاجهزة والحزب والبلد. خلف صدام في قيادتها سعدون شاكر الذي كان يعمل برعاية صدام.

ضم "قصر النهاية" من السجناء بينهم عدد من السياسيين والحزبيين ناصريين وقوميين وشيوعيين وآخرين. كل هؤلاء كانوا قيد التعذيب بتوجيه من صدام حسين.

< من قتل النظام ايضاً؟
- يصعب احصاء العدد. ذهب الآلاف ضحية ممارسات المخابرات العراقية. لقد حوّل صدام العراق، بإصرار وتخطيط ودراية، الى دولة مخابرات. هذا وضع لم يقم في اي مكان آخر في العالم الى هذه الدرجة.
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 07:17 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube