#1  
قديم 28/11/2011, 04:55 PM
زعيــم متواصــل
تاريخ التسجيل: 17/10/2011
المكان: الجزائر
مشاركات: 54
الأسباب الموصلة إلى المطالب العالية

لا ريب أن من حكمة الله ورحمته أنه جعل العباد مفتقرين إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية ، وإلى دفع المضار الدينية والدنيوية ، فاقتضت حكمته وسنته التي لا تتبدل أن هذه المنافع المتنوعة - وخصوصا الأمور العظام - لا تحصل إلا بالسعي بأسبابها الموصلة إليها ، وكذلك المضار لا تندفع إلا بالسعي بالأسباب التي تدفعها ، وقد بين في كتابه غاية التبيين هذه الأسباب ، وأرشد العباد إليها ، فمن سلكها فاز بالمطلوب ، ونجا من كل مرهوب .
فأصل الأسباب كلها الإيمان والعمل الصالح ، جعل الله خيرات الدنيا والآخرة وحصولها بحسب قيام العبد بهذين الأمرين ، وقد ذكر الله في القرآن من هذا شيئا كثيرا جدا ، وقد تقدم في هذا الكتاب شيء من ذلك عند ذكر فوائد الإيمان .
وجعل الله القيام بالعبودية والتوكل سببا لكفاية الله للعبد جميع مطالبه ، شاهده قوله تعالى :
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
أليس الله بكاف عبده
أي : بمن يقوم بعبوديته ظاهرا وباطنا .
وجعل الله التقوى والسعي والحركة سببا للرزق ، شاهده قوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
- ص 347 - وقوله : فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
وجعل الله التقوى والإيمان وتكرار دعوة ذي النون سببا للخروج من كل كرب وضيق وشدة ، شاهده الآية السابقة ، وكذلك قوله :
وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين
وجعل الله الدعاء والطمع في فضله سببا لحصول جميع المطالب ، دليله قوله تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
وقوله : وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين
وجعل الله الإحسان في عبادة الخالق ، والإحسان إلى الخلق سببا يدرك به فضله وإحسانه العاجل والآجل ، شاهده الآية السابقة : إن رحمت الله قريب من المحسنين وقوله :
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
وأحسنوا إن الله يحب المحسنين
ومن أحبه الله نال جميع ما يطلب .
وجعل الله التوبة والاستغفار والإيمان والحسنات والمصائب مع الصبر عليها أسبابا لمحو الذنوب والخطايا ، شاهده قوله تعالى :
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
إن الحسنات يذهبن السيئات
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
- ص 248 - وجعل الله الصبر سببا وآلة تدرك بها الخيرات ، ويستدفع بها الكريهات ، شاهده الآية السابقة ، وقوله :
واستعينوا بالصبر والصلاة
أي : على جميع أموركم ، ولما ذكر الله ما وصل إليه أهل الجنة من كمال النعيم ، وزوال كل محذور ، ذكر أن هذا أثر صبرهم ، فقال :
سلام عليكم بما صبرتم
أولئك يجزون الغرفة بما صبروا
ومنه أنه جعل الصبر واليقين تنال بهما أعلى مقامات ، وهي الإمامة في الدين ، دليله قوله تعالى :
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
وجعل الله مفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإنصات والتعلم والتقوى وحسن القصد ، شاهده قوله تعالى :
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم
وقوله : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
أي : نورا وعلما تفرقون به بين الحقائق كلها ، وقوله :
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
وقوله : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
- ص 349 - وجعل الله الاستعداد للأعداء بكل مستطاع من القوة ، وأخذ الحذر منهم سببا لحصول النصر والسلامة من شرورهم ، شاهده قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم وقوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
وجعل الله اليسر يتبع العسر ، والفرج عند اشتداد الكرب ، شاهده قوله تعالى :
إن مع العسر يسرا
سيجعل الله بعد عسر يسرا
أمن يجيب المضطر إذا دعاه
وجعل الله الشكر سببا للمزيد منها ومن غيرها ، وكفران النعم سببا لزوالها ، شاهده قوله تعالى :
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
وجعل الله الصبر والتقوى سببا للعواقب الحميدة والمنازل الرفيعة ، شاهده قوله تعالى :
والعاقبة للمتقين
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
وجعل الله الجهاد سببا للنصر ، وحصول الأغراض المطلوبة من الأعداء ، والوقاية من شرورهم ، شاهده قوله تعالى :
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم
فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا - ص 350 - [النساء : 84] .
وجعل الله لمحبته التي هي أعلى ما ناله العباد أسبابا ، أهمها وأعظمها متابعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال ، قال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
ومن أسبابها ما ذكره بقوله :
والله يحب الصابرين
يحب المحسنين
يحب المتقين
يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص
وجعل الله النظر إلى النعم ، والفضل الذي أعطيه العبد ، وغض النظر مما لم يعطه سببا للقناعة ، شاهده قوله تعالى :
قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين
وجعل الله القيام بالعدل في الأمور كلها سببا لصلاح الأحوال ، وضده سببا لفسادها واختلافها ، شاهده قوله تعالى :
والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان
وجعل الله كمال إخلاص العبد لربه سببا يدفع به عنه المعاصي وأسبابها وأنواع الفتن ، شاهده قوله تعالى :
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين - ص 351 - [يوسف : 24] .
وجعل الله قوة التوكل عليه مع الإيمان حصنا حصينا يمنع العبد من تسلط الشيطان ، خصوصا إذا انضم إلى ذلك الإكثار من ذكر الله ، والاستعاذة بالله من الشيطان ، شاهده قوله تعالى :
إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
وقال : قل أعوذ برب الفلق
و قل أعوذ برب الناس إلى آخرهما .
وجعل الله مفتاح الإيمان واليقين التفكر في آيات الله المتلوة ، وآياته المشهودة ، والمقابلة بين الحق والباطل بحسن فهم وقوة بصيرة ، شاهده قوله تعالى :
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب
والأمر بالتفكر بالمخلوقات في عدة آيات ، وقوله :
إن في ذلك لآية للمؤمنين
فهي سبب للإيمان ، والإيمان موجب للانتفاع بها .
وجعل الله القيام بأمور الدين سببا لتيسير الأمور ، وعدم القيام بها سببا للتعسير ، وشاهده قوله تعالى :
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى
وجعل الله العلم النافع للرفعة في الدنيا والآخرة ، شاهده قوله تعالى : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
- ص 352 - وجعل الله كون العبد طيبا في عقيدته وخلقه وعمله سببا لدخول الجنة ، وللبشارة عند الموت ، شاهده قوله تعالى :
طبتم فادخلوها خالدين
وقوله : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين
وجعل الله مقابلة المسيء بالإحسان ، وحسن الخلق سببا يكون به العدو صديقا ، وتتمكن فيه صداقة الصديق ، دليله قوله تعالى :
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
وبذلك تحصل الراحة للعبد ، ويتيسر له كثير من أحواله .
وجعل الله الإنفاق في محله سببا للخلف العاجل والثواب الآجل ، شاهده قوله تعالى :
وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين
وجعل الله لرزقه أبوابا وأسبابا متنوعة ، فمتى انغلق عن العبد باب منها فلا يحزن ؛ فإن الله يفتح له غيره ، وقد يكون أقوى منه وأحسن ، وقد يكون مثله ودونه ، شاهده قوله تعالى :
وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته
وقوله : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله
- ص 353 - وجعل الله التحرز والبعد عن الموبقات المهلكة والحذر من وسائلها طريقا سهلا هينا لتركها ، شاهده قوله تعالى :
تلك حدود الله [أي محارمه] فلا تقربوها
أي : لا تفعلوها ولا تحوموا حولها ؛ فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وإذا قيل مثل هذه الآية : تلك حدود الله فلا تقربوها كان المراد بالحدود المحارم ، وأما إذا قيل :
تلك حدود الله فلا تعتدوها
فهذه الحدود التي حددها الله للمباحات ، فعلى العبد أن لا يتجاوزها ؛ لأنه إذا تجاوز المباح وقع في المحرم ، فافهم الفرق بين الأمرين .
وجعل الله السبب الوحيد القوي المثمر للثمرات الجليلة للدعوة إلى سبيله ما تضمنته هذه الآية :
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
فالحكمة وضع الدعوة في موضعها ، ودعاية كل أحد بحسب ما يليق بحاله ويناسبه ، ويكون أقرب لحصول المقصود منه ، ( والموعظة الحسنة ) : البالغة في الحسن مبلغا ، يصير لها من التأثير وسرعة الانقياد ما يناسب مقتضى الحال ؛ فالموعظة بيان الأحكام مع ذكر ما يقترن بها من الترغيب في ذكر مصالحها ومنافعها وخيراتها الحاملة عليها ، وذكر ما يقترن بها من الترهيب على فاعل المحرمات أو تارك الواجبات من العقوبات والخسران والحسرات وحرمان الخير العاجل والآجل .
" والمجادلة بالتي هي أحسن " بالعبارات الواضحة والبراهين البينة - ص 354 - التي تحق الحق وتبطل الباطل ، مع الرفق واللين وعدم المغاضبة والمشاتمة
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 02:52 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube