#1  
قديم 16/07/2009, 06:38 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة القصص (4)

{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ‏}‏ متجرئا على ربه، ومموها على قومه السفهاء، أخفاء العقول‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ أي‏:‏ أنا وحدي، إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثَمَّ إله غيري، لعلمته، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون‏!‏، حيث لم يقل ‏"‏ ما لكم من إله غيري ‏"‏ بل تورع وقال‏:‏ ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ وهذا، لأنه عندهم، العالم الفاضل، الذي مهما قال فهو الحق، ومهما أمر أطاعوه‏.‏

فلما قال هذه المقالة، التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره، أراد أن يحقق النفي، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال، فقال لـ ‏"‏هامان‏"‏ ‏{‏فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ‏}‏ ليجعل له لبنا من فخار‏.‏ ‏{‏فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا‏}‏ أي‏:‏ بناء ‏{‏لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ ولكن سنحقق هذا الظن، ونريكم كذب موسى‏.‏ فانظر هذه الجراءة العظيمة على اللّه، التي ما بلغها آدمي، كذب موسى، وادَّعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب، ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من هؤلاء الملأ، الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشئونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم‏.‏
فسد دينهم، ثم تبع ذلك فساد عقولهم، فنسألك اللهم الثبات على الإيمان، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ استكبروا على عباد اللّه، وساموهم سوء العذاب، واستكبروا على رسل اللّه، وما جاءوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ما هم عليه أعلى منها وأفضل‏.‏
‏{‏وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ‏}‏ فلذلك تجرأوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه، لما كان منهم ما كان‏.‏
‏{‏فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ‏}‏ عندما استمر عنادهم وبغيهم ‏{‏فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏}‏ كانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بالعقوبة الأخروية‏.‏
‏{‏وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ‏}‏ أي جعلنا فرعون وملأه من الأئمة الذين يقتدي بهم ويمشي خلفهم إلى دار الخزي والشقاء‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ‏}‏ من عذاب اللّه، فهم أضعف شيء، عن دفعه عن أنفسهم، وليس لهم من دون اللّه، من ولي ولا نصير‏.‏
‏{‏وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً‏}‏ أي‏:‏ وأتبعناهم، زيادة في عقوبتهم وخزيهم، في الدنيا لعنة، يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم، وهذا أمر مشاهد، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم، ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ‏}‏ المبعدين، المستقذرة أفعالهم‏.‏ الذين اجتمع عليهم مقت اللّه، ومقت خلقه، ومقت أنفسهم‏.‏
‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ‏}‏ وهو التوراة ‏{‏مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى‏}‏ الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام، فرعون وجنوده‏.‏ وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف‏.‏
‏{‏بَصَائِرَ لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ كتاب اللّه، الذي أنزله على موسى، فيه بصائر للناس، أي‏:‏ أمور يبصرون بها ما ينفعهم، وما يضرهم، فتقوم الحجة على العاصي، وينتفع بها المؤمن، فتكون رحمة في حقه، وهداية له إلى الصراط المستقيم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏
ولما قص اللّه على رسوله ما قص من هذه الأخبار الغيبية، نبه العباد على أن هذا خبر إلهي محض، ليس للرسول، طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ‏}‏

أي‏:‏ بجانب الطور الغربي وقت قضائنا لموسى الأمر ‏{‏وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏}‏ على ذلك، حتى يقال‏:‏ إنه وصل إليك من هذا الطريق‏.‏

‏{‏وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ‏}‏ فاندرس العلم، ونسيت آياته، فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك وإلى ما علمناك وأوحينا إليك‏.‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا‏}‏ أي‏:‏ مقيما ‏{‏فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا‏}‏ أي‏:‏ تعلمهم وتتعلم منهم، حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في مدين، ‏{‏وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏}‏ أي‏:‏ ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى، أثر من آثار إرسالنا إياك، وَوَحْيٌ لا سبيل لك إلى علمه، بدون إرسالنا‏.‏


الي
‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا‏}‏ موسى، وَأمرناه أن يأتي القوم الظالمين، ويبلغهم رسالتنا، ويريهم من آياتنا وعجائبنا ما قصصنا عليك‏.‏ والمقصود‏:‏ أن الماجريات، التي جرت لموسى عليه الصلاة والسلام في هذه الأماكن، فقصصتها كما هي، من غير زيادة ولا نقص، لا يخلو من أحد أمرين‏.‏
إما أن تكون حضرتها وشاهدتها، أو ذهبت إلى محالِّها فتعلمتها من أهلها، فحينئذ قد لا يدل ذلك على أنك رسول اللّه، إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة، من الأمور المشتركة غير المختصة بالأنبياء، ولكن هذا قد عُلِمَ وتُيُقِّن أنه ما كان وما صار، فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك‏.‏
فتعين الأمر الثاني، وهو‏:‏ أن هذا جاءك من قِبَلِ اللّه ووحيه وإرساله، فثبت بالدليل القطعي، صحة رسالتك، ورحمة اللّه بك للعباد، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ أي‏:‏ العرب، وقريش، فإن الرسالة ‏[‏عندهم‏}‏ لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان متطاولة، ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ تفصيل الخير فيفعلونه، والشر فيتركونه، فإذا كنت بهذه المنزلة، كان الواجب عليهم، المبادرة إلى الإيمان بك، وشكر هذه النعمة، التي لا يقادر قدرها، ولا يدرك شكرها‏.‏
وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلا لغيرهم، فإنه عربي، والقرآن الذي أنزل عليه عربي، وأول من باشر بدعوته العرب، فكانت رسالته إليهم أصلا، ولغيرهم تبعا، كما قال تعالى ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ‏}‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏
‏{‏وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ من الكفر والمعاصي ‏{‏فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ فأرسلناك يا محمد، لدفع حجتهم، وقطع مقالتهم‏.‏
‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ‏}‏ الذي لا شك فيه ‏{‏مِنْ عِنْدِنَا‏}‏ وهو القرآن، الذي أوحيناه إليك ‏{‏قَالُوا‏}‏ مكذبين له، ومعترضين بما ليس يعترض به‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى‏}‏ أي‏:‏ أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة‏.‏ أي‏:‏ فأما ما دام ينزل متفرقا، فإنه ليس من عند اللّه‏.‏ وأي‏:‏ دليل في هذا‏؟‏ وأي‏:‏ شبهة أنه ليس من عند اللّه، حين نزل مفرقا‏؟‏
بل من كمال هذا القرآن، واعتناء اللّه بمن أنزل عليه، أن نزل متفرقا، ليثبت اللّه به فؤاد رسوله، ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين ‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ وأيضا، فإن قياسهم على كتاب موسى، قياس قد نقضوه، فكيف يقيسونه على كتاب كفروا به ولم يؤمنوا‏؟‏ ولهذا قال ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا‏}‏ أي‏:‏ القرآن والتوراة، تعاونا في سحرهما، وإضلال الناس ‏{‏وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ‏}‏ فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق بما ليس ببرهان، وينقضونه بما لا ينقض، ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة، وهذا شأن كل كافر‏.‏ ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين، ولكن هل كفرهم بهما كان طلبا للحق، واتباعا لأمر عندهم خير منهما، أم مجرد هوى‏؟‏‏.‏

قال تعالى ملزما لهم بذلك‏:‏ ‏{‏فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا‏}‏ أي‏:‏ من التوراة والقرآن ‏{‏أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ولا سبيل لهم ولا لغيرهم أن يأتوا بمثلهما، فإنه ما طرق العالم منذ خلقه اللّه، مثل هذين الكتابين، علما وهدى، وبيانا، ورحمة للخلق، وهذا من كمال الإنصاف من الداعي أن قال‏:‏ أنا مقصودي الحق والهدى والرشد، وقد جئتكم بهذا الكتاب المشتمل على ذلك، الموافق لكتاب موسى، فيجب علينا جميعا الإذعان لهما واتباعهما، من حيث كونهما هدى وحقا، فإن جئتموني بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما اتبعته، وإلا، فلا أترك هدى وحقا قد علمته لغير هدى وحق ‏.‏
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ‏}‏ فلم يأتوا بكتاب أهدى منهما ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ فاعلم أن تركهم اتباعك، ليسوا ذاهبين إلى حق يعرفونه، ولا إلى هدى، وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ‏}‏ فهذا من أضل الناس، حيث عرض عليه الهدى، والصراط المستقيم، الموصل إلى اللّه وإلى دار كرامته، فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا وصفه‏؟‏‏"‏ ولكن ظلمه وعدوانه، وعدم محبته للحق، هو الذي أوجب له‏:‏ أن يبقى على ضلاله ولا يهديه اللّه، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى، فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ‏}‏ دليل على أن كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول، فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى‏.‏



تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)



لا اله الا الله
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 04:52 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube