#1  
قديم 22/06/2009, 01:06 AM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة الروم (3)

[‏25 ـ 27‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏
أي‏:‏ ومن آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون ‏{‏لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ‏}‏
‏{‏وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله‏.‏
‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ‏}‏ أي‏:‏ الإعادة للخلق بعد موتهم ‏{‏أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏ من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرا على الابتداء الذي تقرون به كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى‏.‏
ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون ويتذكر المؤمنون ويتبصر المهتدون ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم‏.‏ فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه‏.‏
ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون‏:‏ كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى‏.‏
‏{‏وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم‏}‏ أي‏:‏ له العزة الكاملة والحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه‏.‏
‏[‏28 ـ 29‏]‏ ‏{‏ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}‏
هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقبح الشرك وتهجينه مثلا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال‏.‏
‏{‏هَلْ لَكُمْ ممَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم وترون أنكم وهم فيه على حد سواء‏.‏
‏{‏تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ كالأحرار الشركاء في الحقيقة الذين يخاف من قسمه واختصاص كل شيء بحاله‏؟‏
ليس الأمر كذلك فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم اللّه تعالى‏.‏
هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا للّه شريكا من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له في العبادة وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم‏؟‏
هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على ‏[‏سفه‏}‏ من اتخذ شريكا مع اللّه وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويا للّه ولا له من العبادة شيء‏.‏
‏{‏كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ‏}‏ بتوضيحها بأمثلتها ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل فلو فُصِّلَت له الآيات وبينت له البينات لم يكن له عقل يبصر به ما تبين ولا لُبٌّ يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب هم الذين يساق إليهم الكلام ويوجه الخطاب‏.‏
وإذا علم من هذا المثال أن من اتخذ من دون اللّه شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل توضح له بطلانه وظهر برهانه‏؟‏ ‏[‏لقد‏}‏ أوجب لهم ذلك اتباع الهوى فلهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ هويت أنفسهم الناقصة التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرا يجزم العقل بفساده والفطر برده بغير علم دلهم عليه ولا برهان قادهم إليه‏.‏
‏{‏فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ لا تعجبوا من عدم هدايتهم فإن اللّه تعالى أضلهم بظلمهم ولا طريق لهداية من أضل اللّه لأنه ليس أحد معارضا للّه أو منازعا له في ملكه‏.‏
‏{‏وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}‏ ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم الوصل والأسباب‏.‏
‏[‏30 ـ 32‏]‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏}‏
يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال‏:‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ‏}‏ أي‏:‏ انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها‏.‏ وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏.‏
وخص اللّه إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن ولهذا قال‏:‏ ‏{‏حَنِيفًا‏}‏ أي‏:‏ مقبلا على اللّه في ذلك معرضا عما سواه‏.‏
وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ‏{‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا‏}‏ ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة‏.‏
ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه‏"‏
‏{‏لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذي أمرنا به ‏{‏الدِّينُ الْقَيِّمُ‏}‏ أي‏:‏ الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه، ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه‏.‏
‏{‏مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ‏}‏ وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي اللّه تعالى‏.‏
ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوهُ‏}‏ فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات‏.‏
وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏}‏ فهذا إعانتها على التقوى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ‏}‏ فهذا حثها على الإنابة‏.‏ وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


لا اله الا الله محمد رسول الله
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22/06/2009, 09:26 AM
زعيــم متألــق
تاريخ التسجيل: 26/03/2006
مشاركات: 1,112
جزاك الله خيرا
وبارك فيك
وجعل ذلك في موازين حسناتك
امين
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 11:28 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube