#1  
قديم 20/06/2009, 02:09 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة الروم (2)

‏[‏11 ـ 16‏]‏ ‏{‏اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ‏}‏
يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات ثم يعيدهم ثم إليه يرجعون بعد إعادتهم ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر ثم جزاء أهل الخير فقال‏:‏
‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ‏}‏ أي‏:‏ يقوم الناس لرب العالمين ويردون القيامة عيانا، يومئذ ‏{‏يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ييأسون من كل خير‏.‏ وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام وهي الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من نفع شركائهم وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ‏}‏ التي عبدوها مع اللّه ‏{‏شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ‏}‏ تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع اللّه وتبرأ المعبودون وقالوا‏:‏ ‏{‏تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ‏}‏ والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر كما افترقت أعمالهم في الدنيا‏.‏
‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ آمنوا بقلوبهم وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة ‏{‏فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ‏}‏ فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، ‏{‏يُحْبَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسرون وينعمون بالمآكل اللذيذة والأشربة والحور الحسان والخدم والولدان والأصوات المطربات والسماع المشجي والمناظر العجيبة والروائح الطيبة والفرح والسرور واللذة والحبور مما لا يقدر أحد أن يصفه‏.‏
‏[‏16‏]‏ ‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ وجحدوا نعمه وقابلوها بالكفر ‏{‏وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا‏}‏ التي جاءتهم بها رسلنا ‏{‏فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ‏}‏ فيه، قد أحاطت بهم جهنم من جميع جهاتهم واطَّلع العذاب الأليم على أفئدتهم وشوى الحميم وجوههم وقطَّع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين وأين التساوي بين المنعمين والمعذبين‏؟‏‏"‏
‏[‏17 ـ 19‏]‏ ‏{‏فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}‏
هذا إخبار عن تنزهه عن السوء والنقص وتقدسه عن أن يماثله أحد من الخلق وأمر للعباد أن يسبحوه حين يمسون وحين يصبحون ووقت العشي ووقت الظهيرة‏.‏
فهذه الأوقات الخمسة أوقات الصلوات الخمس أمر اللّه عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل، لأن هذه الأوقات التي اختارها اللّه ‏[‏لأوقات المفروضات هي‏}‏ أفضل من غيرها ‏[‏فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها‏}‏ بل العبادة وإن لم تشتمل على قول ‏"‏سبحان اللّه‏"‏ فإن الإخلاص فيها تنزيه للّه بالفعل أن يكون له شريك في العبادة أو أن يستحق أحد من الخلق ما يستحقه من الإخلاص والإنابة‏.‏
‏{‏يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ‏}‏ كما يخرج النبات من الأرض الميتة والسنبلة من الحبة والشجرة من النواة والفرخ من البيضة والمؤمن من الكافر، ونحو ذلك‏.‏
‏{‏وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ‏}‏ بعكس المذكور ‏{‏وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ فينزل عليها المطر وهي ميتة هامدة فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ‏{‏وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}‏ من قبوركم‏.‏
فهذا دليل قاطع وبرهان ساطع أن الذي أحيا الأرض بعد موتها فإنه يحيي الأموات، فلا فرق في نظر العقل بين الأمرين ولا موجب لاستبعاد أحدهما مع مشاهدة الآخر‏.‏
‏[‏20 ـ 21‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏
هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية وكمال عظمته، ونفوذ مشيئته وقوة اقتداره وجميل صنعه وسعة رحمته وإحسانه فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ‏}‏ وذلك بخلق أصل النسل آدم عليه السلام ‏{‏ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ الذي خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة‏}‏ وبثكم في أقطار الأرض ‏[‏وأرجائها ففي ذلك آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض‏}‏ هو الرب المعبود الملك المحمود والرحيم الودود الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت‏.‏
‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ‏}‏ الدالة على رحمته وعنايته بعباده وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، ‏{‏أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا‏}‏ تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن ‏{‏لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً‏}‏ بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة‏.‏
فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ يُعملون أفكارهم ويتدبرون آيات اللّه وينتقلون من شيء إلى شيء‏.‏
‏[‏22‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ‏}‏
والعَالِمُون هم أهل العلم الذين يفهمون العبر ويتدبرون الآيات‏.‏ والآيات في ذلك كثيرة‏:‏ فمن آيات خلق السماوات والأرض وما فيهما، أن ذلك دال على عظمة سلطان اللّه وكمال اقتداره الذي أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وكمال حكمته لما فيها من الإتقان وسعة علمه، لأن الخالق لا بد أن يعلم ما خلقه ‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}‏ وعموم رحمته وفضله لما في ذلك من المنافع الجليلة، وأنه المريد الذي يختار ما يشاء لما فيها من التخصيصات والمزايا، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويوحد لأنه المنفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة، فكل هذه أدلة عقلية نبه اللّه العقول إليها وأمرها بالتفكر واستخراج العبرة منها‏.‏
‏{‏و‏}‏ كذلك في ‏{‏اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ‏}‏ على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه ولا لونين متشابهين من كل وجه إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز‏.‏ وهذا دال على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته‏.‏
و‏[‏من‏}‏ عنايته بعباده ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب ويفوت كثير من المقاصد والمطالب‏.‏
‏[‏23‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏}‏
أي‏:‏ سماع تدبر وتعقل للمعاني والآيات في ذلك‏.‏
إن ذلك دليل على رحمة اللّه تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ وعلى تمام حكمته إذ حكمته اقتضت سكون الخلق في وقت ليستريحوا به ويستجموا وانتشارهم في وقت، لمصالحهم الدينية والدنيوية ولا يتم ذلك إلا بتعاقب الليل والنهار عليهم، والمنفرد بذلك هو المستحق للعبادة‏.‏
‏[‏24‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏
أي‏:‏ ومن آياته أن ينزل عليكم المطر الذي تحيا به البلاد والعباد ويريكم قبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخَاف ويُطْمَع فيه‏.‏
‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ‏}‏ ‏[‏دالة‏}‏ على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها‏.‏

‏{‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لهم عقول تعقل بها ما تسمعه وتراه وتحفظه، وتستدل به عل ما جعل دليلا عليه‏.‏



تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


استغفر الله وأتوب اليه
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21/06/2009, 01:01 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 19/10/2006
مشاركات: 931
يعطيك الف العافيه
.
.
.
.
.
.
.
جزاكـ الله خيرا
اضافة رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23/06/2009, 03:02 AM
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 10/10/2008
المكان: فى قلب الهلال
مشاركات: 3,349
جزاك الله الف الف خيرررررررررررررررر
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 06:12 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube