#1  
قديم 15/06/2009, 10:19 PM
زعيــم نشيــط
تاريخ التسجيل: 28/03/2008
مشاركات: 809
Lightbulb تفسير سورة لقمان (3)

ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ‏}‏ الذي وعظ به لقمان ابنه ‏{‏مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‏}‏ أي‏:‏ من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم‏.‏
‏{‏وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك الناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظما‏.‏
‏{‏وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا‏}‏ أي‏:‏ بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ‏}‏ في نفسه وهيئته وتعاظمه ‏{‏فَخُور‏}‏ بقوله‏.‏
‏{‏وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ‏}‏ أي‏:‏ امش متواضعا مستكينا، لا مَشْيَ البطر والتكبر، ولا مشي التماوت‏.‏
‏{‏وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ‏}‏ أدبا مع الناس ومع اللّه، ‏{‏إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ‏}‏ أي أفظعها وأبشعها ‏{‏لَصَوْتُ الْحَمِيرِ‏}‏ فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته‏.‏
وهذه الوصايا، التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيا‏.‏
وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك‏.‏ وأمره بمراقبة اللّه، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها‏.‏
ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك‏.‏
وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى‏:‏ فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، مشهورا بها‏.‏ ولهذا من منة اللّه عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة‏.‏
‏[‏20 ـ 21‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ‏}‏
يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها‏;‏ وعدم الغفلة عنها فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَوْا‏}‏ أي‏:‏ تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، ‏{‏أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ‏}‏ من الشمس والقمر والنجوم، كلها مسخرات لنفع العباد‏.‏
‏{‏وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ من الحيوانات والأشجار والزروع، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا‏}‏
‏{‏وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ عمّكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها‏;‏ والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين، حصول المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم‏;‏ بمحبة المنعم والخضوع له‏;‏ وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته‏.‏
‏{‏و‏}‏ لكن مع توالي هذه النعم‏;‏ ‏{‏مِنَ النَّاسِ مَنْ‏}‏ لم يشكرها‏;‏ بل كفرها‏;‏ وكفر بمن أنعم بها‏;‏ وجحد الحق الذي أنزل به كتبه‏;‏ وأرسل به رسله، فجعل ‏{‏يُجَادِلُ فِي اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يجادل عن الباطل‏;‏ ليدحض به الحق‏;‏ ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة اللّه وحده، وهذا المجادل على غير بصيرة، فليس جداله عن علم، فيترك وشأنه، ويسمح له في الكلام ‏{‏وَلَا هُدًى‏}‏ يقتدي به بالمهتدين ‏{‏وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ‏}‏ ‏[‏غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين‏}‏ وإنما جداله في اللّه مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ‏}‏ على أيدي رسله، فإنه الحق، وبينت لهم أدلته الظاهرة ‏{‏قَالُوا‏}‏ معارضين ذلك‏:‏ ‏{‏بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا‏}‏ فلا نترك ما وجدنا عليه آباءنا لقول أحد كائنا من كان‏.‏
قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ‏}‏ فاستجاب له آباؤهم، ومشوا خلفه، وصاروا من تلاميذ الشيطان، واستولت عليهم الحيرة‏.‏
فهل هذا موجب لاتباعهم لهم ومشيهم على طريقتهم، أم ذلك يرهبهم من سلوك سبيلهم، وينادي على ضلالهم، وضلال من اتبعهم‏.‏

وليس دعوة الشيطان لآبائهم ولهم، محبة لهم ومودة، وإنما ذلك عداوة لهم ومكر بهم، وبالحقيقة أتباعه من أعدائه، الذين تمكن منهم وظفر بهم، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب السعير، بقبول دعوته‏.‏


‏[‏22 ـ 24‏]‏ ‏{‏وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏
‏{‏وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ يخضع له وينقاد له بفعل الشرائع مخلصا له دينه‏.‏ ‏{‏وَهُوَ مُحْسِنٌ‏}‏ في ذلك الإسلام بأن كان عمله مشروعا، قد اتبع فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
أو‏:‏ ومن يسلم وجهه إلى اللّه، بفعل جميع العبادات، وهو محسن فيها، بأن يعبد اللّه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه‏.‏
أو ومن يسلم وجهه إلى اللّه، بالقيام بحقوقه، وهو محسن إلى عباد اللّه، قائم بحقوقهم‏.‏
والمعاني متلازمة، لا فرق بينها إلا من جهة ‏[‏اختلاف‏}‏ مورد اللفظتين، وإلا فكلها متفقة على القيام بجميع شرائع الدين، على وجه تقبل به وتكمل، فمن فعل ذلك فقد أسلم و ‏{‏اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى‏}‏ أي‏:‏ بالعروة التي من تمسك بها، توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير‏.‏
ومن لم يسلم وجهه للّه، أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى، وإذا لم يستمسك بالعروة الوثقى لم يكن ثَمَّ إلا الهلاك والبوار‏.‏ ‏{‏وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ‏}‏ أي‏:‏ رجوعها وموئلها ومنتهاها، فيحكم في عباده، ويجازيهم بما آلت إليه أعمالهم، ووصلت إليه عواقبهم، فليستعدوا لذلك الأمر‏.‏
‏{‏وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ‏}‏ لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك على اللّه، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه، لأنه لو كان فيه خير، لهداه اللّه‏.‏
ولا تحزن أيضًا، على كونهم تجرأوا عليك بالعداوة، ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم، بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب‏.‏
فإن ‏{‏إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا‏}‏ من كفرهم وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء نور اللّه وأذى رسله‏.‏
‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ التي ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر، وكان شهادة‏؟‏‏"‏
‏{‏نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا‏}‏ في الدنيا، ليزداد إثمهم، ويتوفر عذابهم، ‏{‏ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏نلجئهم‏}‏ ‏{‏إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ أي‏:‏ انتهى في عظمه وكبره، وفظاعته، وألمه، وشدته‏.‏


تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16/06/2009, 05:18 AM
الصورة الرمزية الخاصة بـ الآنســــه زعيمة~
زعيــم متألــق
تاريخ التسجيل: 30/08/2008
المكان: بآحضـآآآن غيمة~
مشاركات: 1,201
جــزاك الله خير...وجعله في موازين اعمالك...
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 01:43 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube