#1  
قديم 20/06/2008, 08:55 AM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 25/04/2006
مشاركات: 340
المنكر.. المسكوت عنه! بقلم داعية اماراتي

ينشط بعض العاملين في الميدان الإسلامي لممارسة دورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خدمةً للدين ومحافظةً على الأخلاق. وهو دور يُحمد لهم لقيامهم بهذا الواجب الديني، واعتبر كثير من الجماعات والأفراد أن هذا الواجب رسالته في العمل والحياة، بل أصبحت هناك بعض المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية التي تقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن كافة الأدوار بقيت تدور في محيط الأوامر التعبدية، كالأمر بالصلاة والنهي عن بعض التصرفات والسلوكيات المخالفة للدين والأخلاق، ولم تتجاوز ذلك المحيط إلى محيط أوسع منه، إذ لا يتخيل أولئك القائمون بهذا الدور أن صور المعروف قد تتعدد وتزداد، وكذا صور المنكر الذي يوجب الإنكار والنهي، إما لضيق في فهم المعروف أو المنكر أو لاعتقادهم أن ذلك الأمر من شأن جهات أخرى تختص به، ولذا فإن هذا "المعروف" أو ذاك "المنكر" لا يدخل في اختصاص القائمين على هذا الشأن، فأصبح لدينا معروف ومنكر "مسكوت عنه".
ولعل من أبرز صور "المنكر المسكوت عنه" هو موقف مجتمعاتنا من المرأة، ودورها في الحياة. فإذا كان هناك من ينهى عن اختلاط الرجال بالنساء أو عن مظاهر لباس المرأة أو تجولها في الأسواق، فإن "منكر" إهانة المرأة واضطهادها واحتقارها والرؤية الدونية لدى البعض نحو المرأة والعنف الذي يمارس ضدها.. كل ذلك "منكر" لا يجد من ينهى عنه، فأروقة المحاكم مليئة بصور هذا "المنكر" الذي لا يتحدث عنه أحد، بين طلاق بظلم وتعسف، أو حرمان من النفقة أو من رؤية الأبناء أو تعدٍ على المرأة في كرامتها بالشتم والسب أو في جسدها بالضرب.
إذ تعامل المرأة كعنصر ضعيف لا حقوق له مقابل الرجل، ويُطلب من المرأة، باسم العادات والتقاليد، أن تكون خاضعة خضوع إذلال، لا خضوع إرادة. ويتحدث كثير من الناس عن طاعة المرأة لزوجها، وهو أمر طلبته الشريعة الغراء، لكن لا أحد ينصرف لآيات تكريم المرأة في القرآن الكريم، ولا يردد قوله تعالي: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"، وكأنهم لم يقرؤوا قوله تعالي: "ولقد كرمنا بني آدم".
ولذا فهم يسكتون عن "منكر" "اضطهاد" المرأة ولا يتحدثون إلا عن محاولات "إفسادها" أو "انحرافها"، وكأن كل امرأة هي بالضرورة "منحرفة" حتى يثبت شرفها! وهم بذلك يخالفون ما أمر الله به من حسن الظن بالمؤمنين، كما يطعنون الآباء والأمهات الذين يربون أبناءهم على قيم الدين والأخلاق ليأتي من يصفهم بتلك الأوصاف.
وإذا كانت المرأة تقع تحت "منكر مسكوت عنه"، فإن في المجتمع صورا أخرى من هذا "المسكوت عنه"، إذ لا يتحدث أحد من الآمرين والناهين عما يشاهدونه في الشوارع كل يوم إلا من زاوية رؤيتهم "للمنكر". فهو لا يتحدث عن النظافة التي هي جزء من الإيمان، ولا يهمه إن كان الشارع الذي يمر فيه أو الحي الذي يسكن فيه مليئا بالأوساخ والمخلفات، فلا تمتد يده للنهي عن هذا المنكر، بل لا يُعمل يده تحقيقاً للحديث النبوي: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
زار يوماً أحد رجال الأعمال ممن يقوم بأعمال خيرية أحد المهتمين بالعمل الإسلامي، ولاحظ أن الحي الذي يسكن فيه مليء بالقاذورات. وعند مقابلته لذلك "الداعية" حدثه عن العمل الإسلامي، وأثر ذلك في تغيير العالم! فما كان من ذلك الرجل إلا أن قال: يا شيخ، لو أنك بدأت مع أبناء حيك في تنظيف حيكم قبل تغيير العالم لكان أولى.
وليست مسألة نظافة المكان إلا صورة من صور «المنكر المسكوت عنه»، فهناك من يتجاوز الإشارة الحمراء، وهناك من لا يقف عند خطوط عبور المشاة، وهناك من يقف على الرصيف أو في المكان المخصص للمعاقين، وغيرها من صور «المنكر» الذي لا يجد من ينهى عنه. وليس المطلوب أن يمارس الإنسان دور الشرطي أو موظف الرقابة ويقوم بتحرير المخالفات، بل أن يقوم بدور «الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر» بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن صور "المنكر المسكوت عنه" إتلافنا للبيئة التي نعيش فيها، من خلال الإسراف في استخدام هذه البيئة. فهدر المياه والطاقة ليس إلا صورة من ذلك «المنكر»، إذ إن البشر يسهمون بتصرفاتهم في تلوث البيئة وفسادها، ولكن لا نجد أحداً ينهى عن هذا «المنكر» على الرغم من أن الله تعالي يقول: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس».
فالله سبحانه وتعالي سماه "فسادا" ومع ذلك لا يلتفت العاملون في النهي عن المنكر إلى هذا "الفساد" لينهوا عنه. إن العالم اليوم يتحدث عن كوارث يمكن أن يسببها الإنسان للبيئة البرية والبحرية والجوية، ولا تتحرك إلا المنظمات المختصة وبعض المهتمين بالمحافظة على البيئة، أما سائر الناس فلا يعيرون ذلك اهتماماً إلا قليلاً، ولعل في سلوكهم اليوم ما يؤكد السكوت عن هذا المنكر.
لينظر أحدنا كم صحناً يستخدمه يومياً للأكل، وكم يحتاج كل صحن من الماء لغسله، فلو أن كل إنسان يستخدم في كل وجبة ثلاثة صحون وكوب، أي أربعة أوعية يحتاج كل منها إلى ربع لتر لغسله، فمعنى ذلك أنه في كل وجبة يحتاج إلى لتر من الماء لغسل أوعيته. فإذا كان يتناول كل يوم ثلاث وجبات، فهو يحتاج إلى ثلاثة لترات لغسل الصحون، وإذا كانت هناك مدينة فيها مليون ساكن، فإنها تحتاج يومياً إلى ثلاثة ملايين لتر من الماء لغسل هذه الصحون وما يتبعها من استخدام لأدوات الغسيل والمواد الكيميائية الضارة بالبيئة.
وماذا عن الاستخدامات الأخرى المتلفة للبيئة، وماذا عن صور التلوث الأخرى؟ إن هذا "منكر" مسكوت عنه. ثم ماذا عن منكر هدم حقوق الإنسان وكرامته؟ وماذا عن الحرمان من حق العيش الكريم؟ وماذا يجري داخل معظم سجون العرب التي أصبحت أسماؤها تنافس أسماء أشهر الفنادق؟ وماذا عن المحاكمات الصورية وتلفيق التهم وعن ظلم أصحاب العمل لعمالهم وحرمانهم من حقوقهم المالية والبشرية؟
وماذا عن تقارير المنظمات والمؤسسات المحلية والإقليمية والدولية التي تشير إلى تردي أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، وأنها تزداد سوءاً عاماً بعد عام؟ ماذا عن حالات الخطف والاغتصاب الذي تتعرض له النساء في بعض البلدان العربية؟ وماذا عن استغلال الطفولة لأعمال تتنافى مع الأخلاق، حتى وصل الأمر حد «حاميها حراميها» كما حدث مع اتهام قوات السلام التابعة للأمم المتحدة بقيامها في بعض الدول بالاعتداءات الجنسية على الأطفال؟! بل ماذا عن سخرة الأطفال وتشغيلهم قبل السن القانونية، أليست هذه قضايا تستحق الإنكار، أي أنها "منكر" مسكوت عنه؟
إن النهي عن المنكر ليست له صورة محددة، بل تتعدد صوره وأشكاله، لكننا " نستسهل" ممارسة الإنكار الذي لا يزعج! أما صور المنكرات الأخرى فهي "مسكوت عنها"! المنكر.. المسكوت عنه!
د.سعيد حارب *
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 08:15 AM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube