#1  
قديم 23/08/2003, 09:02 PM
زعيــم فعــال
تاريخ التسجيل: 05/08/2003
المكان: جده - أم الرخا والشده -
مشاركات: 250
Post على قمم الجبال.............

[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم

على قمم الجبال[/ALIGN]
أما بعد ..
فهذه رحلة مع أقوام من الصالحين ..
الذين تنفسوا في الطاعات .. وتسابقوا إلى الخيرات ..
نعم.. مع الذين سارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنات..
هذه أخبار أقوام .. لم يتهيبوا صعود الجبال.. بل نزعوا عن أعناقهم الأغلال .. واشتاقوا إلى الكريم المتعال ..
هم نساء ورجال .. علو إلى قمم الجبال..
ما حجبتهم عن ربهم لذة .. ولا اشتغلوا عن دينهم بشهوة ..
فأحبهم ربهم وأدناهم .. وأعلى مكانهم وأعطاهم ..
(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) ..
نعم .. والله لا يستوون ..
لا يستوي من ليله قيام .. ونهاره صيام ..
مع من ليله عزف وأنغام .. ونهاره كالأنعام ..
لا يستوون .. { أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {19} وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } ..
وإذا اردت أن تقف على حال المتقين ..
فانتقل معي إن شئت إلى هناك .. انتقل إلى المدينة ..
وانظر إلى أولئك الفقراء .. انظر إلى أبي هريرة وسلمان .. وأبي ذر وبلال .. وقد أقبلوا إلى النبي عليه السلام .. يشتكون من الأغنياء ..
عجباً !! الفقراء يشتكون من الأغنياء !! نعم .. فلماذا يشتكون ..
هل لأن طعام الأغنياء ألذ من طعامهم .. أم لأن لباس الأغنياء ألين من لباسهم ..
أم لأن بيوت الأغنياء أرفع من بيوتهم .. كلا .. ما كانت هذه شكاتهم .. ولا كان في هذا تنافسهم ..
أقبلوا حتى وقفوا بين يدي النبي عليه السلام .. فقالوا يا رسول الله .. جئنا إليك نشتكي من الأغنياء ..
قال : وما ذاك ..
قالوا : يا رسول الله .. ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى .. يصلون كما نصلي .. ويصومون كما نصوم ..
ولكن لهم .. فضول أموال فيتصدقون .. ولا نجد ما نتصدق ..
فقال لهم النبي عليه السلام : ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من قبلكم ولم يدركم أحد ممن يجيء بعدكم ؟
قالوا : نعم ..
قال : تسبحون في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين .. وتحمدون ثلاثاً وثلاثين .. وتكبرون ثلاثاً وثلاثين .. إنكم إذا فعلتم ذلك .. سبقتم من قبلكم ولم يدركم أحد ممن يجيء بعدكم ..
فرح الفقراء بذلك .. فلما قضيت الصلاة فإذا لهم زجل بالتسبيح والتكبير والتحميد ..
التفت الأغنياء فإذا الفقراء يسبحون .. سألوهم عن ذلك .. فأخبروهم بما علمهم النبي عليه السلام .. فما كادت الكلمات تلامس أسماع الأغنياء .. حتى تسابقوا إليها .. نعم .. إذا أبو بكر يسبح .. وإذا ابن عوف يسبح .. وإذا الزبير يسبح ..
فرجع الفقراء إلى النبي عليه السلام .. فقالوا : يا رسول الله سمع إخواننا الأغنياء بما علمتنا .. ففعلوا مثلنا .. فعلمنا شيئاً آخر ..
فقال صلى الله عليه وسلم : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..
والحديث رواه ابن حبان وابن خزيمة ..
نعم .. ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) ..

انظر إلى النبي عليه السلام .. وهو يحدث أصحابه عن يوم القيامة .. ويخبرهم ..
أن من أمته سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ..
فيعجب الصحابة بهذا الفضل العظيم .. ويقفز عكاشة بن محصن رضي الله عنه.. سريعاً .. يبادر الموقف وينتهز الفرصة قبل أن تفوت ..
ويقول : "يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم .. قال : ( أنت منهم ) ..
ويفوز بها عكاشة .. ثم يغلق الباب .. ويقال لمن بعده : سبقك بها عكاشة ..
نعم سبق عكاشة فدخل الجنة بغير حساب ..
وفاز أبو دجانة بسيف النبي الأواب ..
وارتفع أبو بكر على جميع الأصحاب ..
وتنافس الأغنياء والفقراء .. والصالحون والأولياء ..
همهم واحد .. كما أن ربهم واحد ..
وقلوبهم ثابتة .. كما أن عزائمهم ماضية ..
وأنت أفلا نظرت إلى نفسك .. كيف همتك إذا رأيت من سبقك إلى الدعوة إلى الله .. أو النفقة في سبيل الله ..
أفلا تلوم نفسك إذا رأيت فلاناً سبقك بحفظ القرآن .. وأنت غافل ولهان ..
ورأيت الآخر سبقك إلى الجهاد .. وأنت على الأريكة والوساد ..
والثالث يصعد في الدرجات .. وينكر المنكرات .. وأنت عاكف على أمور تافهات ..
ما حالك إذا علمت أن فلاناً صوام في النهار .. أو بكاء في الأسحار ..
فيا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب
وبائعا طيب عيش ما له خطر بطيف عيش من الآلام منتهب
غبنت والله غبنا فاحشا ولدى * يوم التغابن تلقى غاية الحرب
وحاطب الليل في الظلماء منتصبا * لكل داهية تدني من العطب
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت * ورسل ربك قد وافتك في الطلب
فاستفرش الخد ذياك التراب وقل * ما قاله صاحب الأشواق والحقب
منحتك الروح لا أبغى لها ثمنا * الا رضاك ووافقرى الا الثمن

* * * * * * * *
أيها الأخوة والأخوات ..
نحن اليوم في زمن تكاثرت فيه الفتن .. وتنوعت المحن ..
وقل الأصدقاء .. وتلون الأعداء ..
فمنهم عدو كاشح في عدائه * * ومنهم عدو في ثياب الأصادق
ومنهم قريب أعظم الخطب قربه * * له فيكم فعل العدو المفارق
فأكثر المسلمين اليوم حائرون في الملذات .. غرقى في الشهوات ..
يبحثون عن حياض النجاة .. عن خشبة يتعلقون بها .. أو سفينة يأوون إليها ..
فمن كان عنده فضل مال فليجد به على من لا مال له ..
ومن كان عنده فضل طعام فليجد به على من لا طعام له ..
ومن كان عنده فضل علم فليجد به على من لا علم له ..
ومن كان عنده خوف ووجل .. من العظيم الأجلّ .. فليجد به على الغافلين .. المعرضين اللاهين ..
وأنت لا تدري .. ما هو الباب الذي تدخل منه إلى الجنة .. فابذل ولا يخذلك الشيطان ..

* * * * * * * * * *

وما أجمل أن ينتصر العبد على الشيطان ..
خرجت من المسجد يوماً فجاءني شاب عليه آثار المعصية وقد اسودّت شفتاه من كثرة التدخين .. فعجبت لما رأيته .. ماذا يريد .. فلما سلم عليَّ قال : يا شيخ أنتم تجمعون أموالاً لبناء مسجد أليس كذلك ؟
قلت : بلى .. فناولني ظرفاً مغلقاً .. وقال : هذا مال جمعتُه من أمي وأخواتي وبعض المعارف .. ثم ذهب ..
ففتحت الظرف فإذا فيه خمسة آلاف ريال .. وأنفقت تلك الخمسة آلاف في بناء ذلك المسجد ..
واليوم لا يذكر الله في ذلك المسجد ذاكر .. ولا يقرأ القرآن قارئ .. ولا يصلي مصلٍّ ..
إلا كان في ميزان ذلك الشاب مثل أجره ..
وعند مسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ) ..

* * * * * * * * *

حدثني أحد الصالحين أنه رأى الشيخ ابن باز رحمه الله بعد موته .. في المنام ..
قال : فسألته .. قلت يا شيخ دلني على عمل فاضل نافع ..
قال فرفع الشيخ يده وهزها وهو يقول : عليك بالدعوة إلى الله .. عليك بالدعوة إلى الله ..
وما زال يكررها حتى غاب عني ..
والدعوة إلى الله ليست مهمة صعبة ..
فكم من شخص كانت هدايته بسبب شريط نافع .. أو نصيحة صادقة .. أو رسالة عابرة ..

وصلتني رسالة قبل أيام .. من شاب في بريطانيا .. ذكر فيها مرسلها في أربع صفحات قصة ضلاله ومعاصيه .. ثم قال ..
وفي ليلة مشهودة .. دخلت مصلى في مانشستر .. فوطأت قدمي على شريط ملقى .. فأخذته ووضعته في جيبي ..
فلما وصلت إلى شقتي .. وضعته في المسجل أسمع .. فإذا الأمر عظيم .. والخطب جسيم ..
وإذا المسألة جنة ونار .. وثواب وعقاب .. قال : فما أصبحت تلك الليلة .. إلا وأنا تائب إلى الله ..
بسبب شريط واحد ..


لو تأملنا ..
كيف دخل الإسلام إلى أفريقيا والفلبين .. والهند والصين .. حتى صار فيها ملايين المسلمين ..
فمن دعا هؤلاء ..
والله ما دعاهم مشايخ ولا علماء .. وإنما اهتدوا بسبب أقوام من عامة الناس .. ليسوا طلبة علم .. ولا أئمة مساجد .. ولا تخرجوا من كليات الشريعة ..
أقوام ذهبوا إلى هناك للتجارة .. فدعوا الناس فأسلموا على أيديهم .. فخرج من هؤلاء المسلمين الهنود والصينيين علماءُ ودعاةٌ .. وأجر هدايتهم لأولئك التجار ..
إن توزيع الأشرطة .. ونشر الكتب .. وتوزيع بطاقات الأذكار .. أمور لا تحتاج إلى علم ..
من منا إذا سافر أخذ معه مجموعة من الأشرطة النافعة ثم إذا وقف في محطة وقود وضع في البقالة بعضها ..
وفي المسجد بعضها .. أو وزعها على السيارات الواقفة ..
أو أعطاها أولاده الصغار يوزعونها عليهم ..
الناس في الطريق لا بدّ أن يستمعوا إلى شيء فكن معيناً لهم على سماع الذكر والخير ..
من منا إذا رأى كتاباً نافعاً .. أو شريطاً مؤثراً .. اشترى منه كمية ثم وزّعها في مسجده ..
أو أهداها لزملائه في العمل .. أو طلابه في المدرسة ..
كثير من مجتمعات الشباب والفتيات تحتاج إلى شجعان يخترقونها .. نعم يخترقون التجمعات .. التي على الشواطئ وفي الاستراحات .. بل وفي البيوت والطرقات ..
نعم .. يخترقها الناصحون .. يصلحون ويذكرون .. يعظون هذا .. وينبهون ذاك .. ويتلطفون مع الثالث .. ويحتوون الرابع ..
ولو رأيت تائهاً عن بيته فدللته عليه .. لكنت مأجوراً ..
فكيف بمن هو تائه عن ربه .. غارق في خطيئته وذنبه .. فما أعظم من يدله عليه ..
ولإن كان أهل الباطل .. قد يفلحون في إفساد الشباب والفتيات .. ونشر المنكرات .. فإن أهل الحق أولى وأحرى ..

* * * * * * * * * *

وكلما كثرت المنكرات .. وقلت الطاعات ..
غضب رب الأرض والسماء .. وقرب نزول البلاء ..
بل إن المنكر إذا كثر .. خربت البلاد .. وهلك العباد .. وصار الناس كالبهائم .. ما بين حائر وهائم ..
والمنكر إذا وقع .. لم يضر الفاعلين فقط .. بل عم الصالح والطالح ..
قال الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ..
وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن أهلك قرية كذا وكذا ..
فقال جبريل : يا رب فيهم عبدك فلان .. رجل صالح .. أي بكاء في الأسحار .. صوام في النهار .. له صدقات وأعمال صالحات .. كيف أهلكه معهم ..
فقال الله : به فابدأ .. فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ قط .. أي لم يكن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..
وصح عند أحمد والترمذي .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف .. ولتنهون عن المنكر .. أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده .. ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ) ..
وصح في المسند وغيرها .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي .. هم أعز وأكثر ممن يعمله .. ثم لا يغيروه .. إلا عمهم الله تعالى منه بعقاب ) ..
وصح في المسند أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن من أمتي قوماً يُعطّون مثل أجور أولهم .. ينكرون المنكر ) ..
وصح عند أبي يعلى .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله .. ثم صلة الرحم ..ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ..
نعم .. فلا يعذر أحد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. كل بحسب استطاعته ..
فقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ..
وعلى العاقل أن يسلك جميع السبل في سبيل إنكار المنكرات .. ولا يكتفي بسبيل واحد ثم يرضى بالقعود ..

* * * * * * * * * *

أيها الأحبة الفضلاء ..
إن الصراع بين الحق والباطل .. قائم إلى يوم القيامة ..
ولئن انتصر الباطل ساعة .. فالحق منصور إلى قيام الساعة ..
فأين الذين يعيشون للإسلام .. يسكبون من أجله دماءهم .. ويسحقون جمامهم .. لأجل عزة دينهم ..
أين الذين يخافون أن تظهر المنكرات .. وتتفشى الشهوات .. فيغضب رب الأرض والسماوات ..
فإنه سبحانه .. إذا غضب لعن .. ثم عذب وفتن .. وما يعلم جنود ربك إلا هو ..
فعود نفسك وعوديها .. على عدم السكوت عن المنكرات ..
المسألة تحتاج إلى جرأة في البداية .. ولكن لها فرحة في النهاية ..
ولئن كان الفجار يتجرؤون على نشر منكراتهم .. والدعوة إليها .. والحث عليها ..
من خلال كتابة في جريدة .. أو برنامج في قناة داعرة بليدة .. أو في كتاب مقروء .. أو فكر موبوء ..
تروح بنا مصائبنا وتغدو ** فما يرعى لنا في الناس عهد
ويخطب باقلٌ في كل ناد ** فيا سحبان قولك لا يعد
تعيرهم الصحافة مقلتيها ** فهم في عرفها الركن الأشد
لهم عبر الإذاعة ألفُ صوت ** وفي التلفاز أذرعة تمد
لهم شهوات إفساد ومكر ** وتحت غطائها قبضوا ومدوا
فلا تعجب إذا اضطربت خطانا ** وساومنا على الأمجاد وغد
عروس جلِّلت بثياب حزن ** وطاف بها على الشارين عبد
نعم ..
لئن كان أصحاب المفسدون .. وعبادُ الشهوات .. قد طغوا وتجرؤوا ..
ولئن كان المغنون والمغنيات .. يجرؤون على إقامة الحفلات .. وتهييج الشهوات ..
بل .. ولئن كان أصحاب المخدِّرات .. يفلحون في جر الشباب والفتيات ..
فإن أهل الحق رجالاً ونساءً .. أولى وأحرى .. بالعمل لنشر الفضيلة .. وحرب الرذيلة ..
وحماية المجتمع من الفساد .. وتعبيد الناس لرب العباد ..
من خلال مناصحة لأصحاب المنكرات .. بكتابة الرسائل إليهم .. وإظهار الشفقة عليهم ..
وإهداء الهدايا لهم .. مع إحسان الظن بهم .. والدعاء لهم .. والتلطف معهم ..
( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) ..

* * * * * * * * * *

وقد كان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى كل الدنيا .. يدعوهم إلأى فعل الطاعات .. وترك المنكرات ..
وكان يتلطف في عبارته .. ويلين في إشارته ..
فكتب إلى هرقل النصراني ..
من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم .. أسلم تسلم .. يؤتك الله أجرك مرتين ..
وكتب إلى ملك فارس .. وملك اليمن ..
وهكذا كان الصالحون من بعده .. بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن صاحباً له .. أغواه الشيطان فشرب خمراً ..
فدعا عمر بصحيفة ثم كتب فيها ..
بسم الله الرحمن الرحيم .. من عمر بن الخطاب إلى فلان .. السلام عليك .. أما بعد ..
( حم* تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) .. والسلام .. ثم طوى الصحيفة وبعث بها إليه ..
فلما قرأها الرجل بكى .. وتاب مما فعل ..

* * * * * * * * * *

وبلغ عبد الله ابن المبارك أن بعض أصحابه قد ترك تعليم العلم وانصرف للدنيا ..
فقال ابن المبارك : يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا ..
ثم كتب إليه .. نصيحة ضمنها أبياتا يقول فيها :
يا جاعل العلم له بازيا ** يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ** بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعدما ** كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى ** عن ابن عون وابن سيرين
لا تبع الدين بالدنيا كما ** يفعل ضلال الرهابين

* * * * * * * * * *

ولا تسئ الظن بأحد .. فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .. وبعض الناس ليس بينه وبين ترك منكره .. إلا أن يسمع موعظة صادقة ..
كان زاذان الكندي مغنياً .. صاحبَ لهو وطرب .. فجلس مرة في طريق يغني .. ويضرب بالعود ..
وله أصحاب يطربون له ويصفقون ..
فمر بهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. فأنكر عليهم فتفرقوا ..
فأمسك بيد زاذان وهزه وقال :
ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى ..
ثم مضى .. فصاح زاذان بأصحابه .. فرجعوا إليه .. فقال لهم : من هذا ؟
قالوا : عبد الله بن مسعود ..
قال : صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!
قالوا : نعم .. فبكى زاذان ..
ثم قام .. وضرب بالعود على الأرض فكسره ..
ثم أسرع فأدرك ابن مسعود .. وجعل يبكي بين يديه ..
فاعتنقه عبد الله بن مسعود .. وبكى وقال :
كيف لا أحب من قد أحبه الله ..
ثم لازم زاذان ابن مسعود حتى تعلم القرآن .. وصار إماماً في العلم ..

* * * * * * * * * *

فما الذي يمنعك إذا رأيت منكراً .. أن تناصح صاحبه بلسانك ..
أو تكتب له رسالة بمشاعر صادقة .. وعزيمة واثقة ..
ثم ترفع كفيك في ظلمة الليل .. فتبتهلُ إلى من بيده مفاتيح القلوب ..
أن يحرك في قلبه الإيمان .. ويعيذَه من وسوسة الشيطان ..كفاك قعوداً وخنوعاً .. دع الراحة وراء ظهرك ..
فليس السعادة في السكون ولا الخمول ولا القعود
في العيش بين الأهل تأكل كالبهائم والعبيد
وأن تعيش مع القطيع وأن تقاد ولا تقود
إن السعادة أن تبلغ دين ذي العرش المجيد
إن السعادة في التلذذ بالمتاعب لا التلذذ بالرقود
نعم ..
ولا تيأس إذا لم لم تقبل نصيحتك من أول مرة .. بل :
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته .. ومدمن الطرق للأبواب أن يلجا ..
وانظر إلى ذلك الجبل .. انظر إلى الشيخ ابن باز رحمه لله ..
دخل عليه بعض المصلحين .. يستعينونه لإزالة منكر وقع من أحد الأشخاص ..
فقال الشيخ : اكتبوا له رسالة .. انصحوه .. فقال : أحدهم : كتبت له يا شيخ .. ولم ينتهِ ..
قال : اكتبوا له أخرى ..
فقال الثاني : أنا كتبت له يا شيخ أيضاً ..
فقال : اكتبوا له ثالثة ..
فقال أحدهم : إلى متى يا شيخ .. هذا معرض لا يتعظ ..
فقال الشيخ : والله إني .. في إحدى المرات .. كتبت إلى صاحب منكر مائة مرة .. حتى أزاله ..
نعم .. همة عاليه .. وعزيمة ماضية ..
فماذا ننتظر إذا كثرت المنكرات .. إلا أن تحل البليات .. ويسخط رب الأرض والسماوات ..
قال الله : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } ..
وفي الصحيحين عن بعض أزواج النبي عليه السلام .. قالت :
دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً .. يقول :
لا إله إلا الله .. ويل للعرب .. من شر قد اقترب .. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ..
مثل هذا وحلق بإصبعه وبالتي تليها ..
فقلت : يا رسول الله !! أنهلك وفينا الصالحون ؟!!
قال : نعم .. إذا كثر الخبث ..
نعم ..
إن الدين لا يتمكن بأيدي الضعفاء .. ولا يرتفع بهمة الجبناء ..
وإنما ترفعه همة الرجال الأشداء .. الذي تعلقوا بالسماء ..
ربوا أنفسهم على الطاعات .. وإنكار المنكرات ..

* * * * * * * * * *

قال سفيان الثوري : والله إني لأرى المنكر .. فلا أستطيع إنكاره .. فأبول الدم .. من شدة الهم والغم ..
وقال العُمري : من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نزع الله هيبته من فقلوب العباد .. حتى لو أمر ابنه أو نهاه لاستخفَّ به ..

* * * * * * * * * *
وكلما كان المنكر ظاهراً .. كان خطره أشد .. لأنه يجرئ الناس على فعله ..
ومن أظهر المنكرات .. التي يحاسب كل من رآها ولم ينكرها ..
ما يقع في بعض بلاد المسلمين من الشرك بالله ..
كمن يستغيث بغير الله في كشف الكربات .. أو يقف عند القبور سائلاً أهلها الحاجات ..
وكذلك تعليق التمائم الشركية .. على الأولاد .. أو السيارات والبيوت .. لدفع العين أو غيرها ..
وقد قال عليه السلام فيما رواه أحمد : ( من علَّق تميمة فقد أشرك ) ..
وكذلك الحلف بغير الله .. كالحلف بالكعبة ..أو الشرف .. أو النبي ..
وقد روى أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من حلف بغير الله فقد أشرك" ..

ومن أكبر المنكرات .. استعمال السحر والكهانة والعرافة ..
وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في المسند : "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد" صلى الله عليه وسلم ..
وقال فيما رواه مسلم : ( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ..
ومن أكبر المنكرات بل من الكفر .. ترك الصلاة ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : "بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة " ..
ومن أكبرها وأطمها .. الزنا .. وهو أعظم الذنوب بعد الشرك والقتل .. قال تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } ..
وفي عصرنا فتحت كثير من أبواب الفاحشة .. ففشا التبرج والاختلاط ومجلات الخنا .. وأفلام الفحش ..
ومن سبل الزنا .. ما يقع في بعض الأماكن من اختلاط الرجال بالنساء ..
سواء في مستشفيات أو مدارس .. أو غير ذلك ..
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والدخول على النساء ).. يعني الخلوة بهن ..
بل أمر الله المرأة بالتستر حتى لا يراها الرجال .. فقال { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين }..
بل قد نهى الله الصحابة جميعاً عن الاختلاط بالنساء.. فقال :
{ وإذا سألتموهن متاعاً } يعني إذا سألتم أزواج النبي وهن أطهر النساء..
{ فاسألوهن من وراء حجاب }.. لماذا..؟؟
{ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن }..
وحسبك بالصحابة طاعة وخوفاً وتعبداً..
فكيف الحال اليوم مع شبابنا.. وفتياتنا.. وقد فسد الزمان ؟..
فكيف يخلو اليوم شاب بفتاة .. ويقولان صداقةٌ بريئةٌ ..!!
عجباً..
قال سفيان الثوري لرجل صالح من أصحابه : ( لا تخلون بامرأة ولو لتعلمها القرآن )..نعم أيها الأخوة والأخوات ..
هذا ديننا.. ليس فيه تساهل مع الأعراض ..
ويجب على كل من رأى من يتساهل بذلك أن يحذره من عذاب الله ..
ومن المنكرات .. أكل الربا .. والربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ..
ودِرْهَمُ ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية ..
ومن المنكرات .. شرب المسكرات ..
قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم : ( إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال " قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : " عرق أهل النار أو عصارة أهل النار "..
ومن المنكرات .. سماع الغناء .. وقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري :" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... "..
ومما زاد البلاء في عصرنا دخولُ الموسيقى .. في أشياء كثيرة كالساعات .. والأجراس .. وألعاب الأطفال .. والكمبيوتر .. وأجهزة الهاتف .. والله المستعان .
وغير ذلك من المعاصي .. ويجب نصيحة أهلها .. { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ..
إلى غيرِ ذلك من المنكرات .. كعقوق الوالدين .. والغيبة .. ومجالس اللهو وغير ذلك ..

* * * * * * * * * *

وختاماً .. فهذه قمم .. من قمم الجبال ..
وليبشر كلُّ من وصل إلى شرفاتها .. وسكن في روضاتها ..
بجنات ونهر .. في مقعد صدق عند عزيز مقتدر ..
فأكرم بجنات النعيم وأهلها ** إخوان صدق أيما إخوان
جيران رب العالمين وحزبه ** أكرم بهم في صفوة الجيران
هم يسمعون كلامه ويرونه ** والمقلتان إليه ناظرتان
وعليهم فيها ملابس سندس ** وعلى المفارق أحسن التيجان
تيجانهم من لؤلؤ وزبرجد ** أو فضة من خالص العقيان
وخواتم من عسجد وأساور ** من فضة كسيت بها الزندان
وطعامهم من لحم طير ناعم ** كالبخت يطعم سائر الألوان
وصحافهم ذهب ودر فائق ** سبعون الفا فوق ألف خوان
إن كنت مشتاقا لها كلفا بها ** شوق الغريب لرؤية الأوطان
كن محسنا فيما استطعت فربما ** تجزى عن الإحسان بالإحسان
واعمل لجنات النعيم وطيبها ** فنعيمها يبقى وليس بفان
أدم الصيام مع القيام تعبدا ** فكلاهما عملان مقبولان
قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم ** إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة ** فتساق من فرش إلى الأكفان
يا حبذا عينان في غسق الدجى ** من خشية الرحمن باكيتان
واغضض جفونك عن ملاحظة النسا ** ومحاسن الأحداث والصبيان
اعرض عن النسوان جهدك وانتدب ** لعناق خيرات هناك حسان
في جنة طابت وطاب نعيمها ** من كل فاكهة بها زوجان
لا تحقرن من الذنوب صغارها ** والقطر منه تدفق الخلجان
وإذا عصيت فتب لربك مسرعا ** حذر الممات ولا تقل لم يان
لا تتبع شهوات نفسك مسرفا ** فالله يبغض عابدا شهواني
ومن استذل لفرجه ولبطنه ** فهما له مع ذا الهوى بطنان
أظمئ نهارك ترو في دار العلا ** يوما يطول تلهف العطشان
لا خير في صور المعازف كلها ** والرقص والإيقاع في القضبان
إن التقي لربه متنزه ** عن صوت أوتار وسمع أغان
وتلاوة القرآن من أهل التقى ** سيما بحسن شجا وحسن بيان
أشهى وأوفى للنفوس حلاوة ** من صوت مزمار ونقر مثان
وحنينه في الليل أطيب مسمعاً ** من نغمة النايات والعيدان
يومُ القيامة لو علمت بهوله ** لفررت من أهل ومن أوطان
يومٌ تشققت السماء لهوله ** وتشيب فيه مفارق الولدان
يومٌ عبوس قمطرير شره ** في الخلق منتشر عظيم الشان
يوم يجيء المتقون لربهم ** وفدا على نجب من العقيان
ويجيء فيه المجرمون إلى لظى ** يتلمظون تلمظ العطشان
والجنة العليا ونار جهنم ** داران للخصمين دائمتان

* * * * * * * * * *

أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لفعل الخيرات وترك المنكرات ..
وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ..
هذا والله تعالى أعلم ..

[ALIGN=CENTER]كتبه / د. محمد بن عبد الرحمن العريفي
دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة
[email protected] [/ALIGN]
اضافة رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24/08/2003, 03:09 AM
عضو سابق بلجنة التغطيات
تاريخ التسجيل: 20/12/2002
المكان: S a m i 9. n e t
مشاركات: 2,556
مشكووور
وجزاك الله الف خير
اضافة رد مع اقتباس
   


إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

قوانين المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : مسموح
[IMG] كود الـ مسموح
كود الـ HTML غير مسموح
Trackbacks are مسموح
Pingbacks are مسموح
Refbacks are مسموح



الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 02:46 PM.

جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر النادي و مسؤوليه ولا إدارة الموقع و مسؤوليه.


Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd

Google Plus   Facebook  twitter  youtube