مشاهدة مشاركة بصفحة مستقلة
  #15  
قديم 13/03/2004, 10:51 AM
الصورة الرمزية الخاصة بـ srabالهلال
srabالهلال srabالهلال متواجد حالياً
زعيــم مميــز
تاريخ التسجيل: 07/12/2002
المكان: السعودية - البديعه
مشاركات: 2,602
خطورة الكبائر(1)

إن مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟.فما الذي أخرج الأبوين (آدم وحواء) من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟.
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وبدل بالقُرب بعداً وبالرحمة لعنه وبالجنة ناراً تلظى وبالإيمان كفراً؟
وما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألفتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى قوم لوط حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة مالم يجمعه على أمة غيرهم؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميراً؟
وما الذي سلط على بني إسرائيل أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى "ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب" وللكبائر خاصة والمعاصي عامة من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة مالا يعلمها إلا لله. فمنها:
1. حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئ ذلك النور.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: اعلم بأن العلم نــور ونور الله لا يؤتاه عاصي
2. حرمان الرزق: وفي مسند أحمد "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وكما أن المعصية مجلبة للفقر فإن التقوى مجلبة للرزق "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب".
3. وحشة يجدها العاصي في قلبه وبينه وبين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلاً ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة.
وقد قال تعالى ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾.
وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشه يجدها في نفسه فقال له:
إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس
4. ومنها: الوحشة التي تحصل بين العاصي وبين الناس، ولا سيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالسهم وحرم بركة الإنتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن.
5. ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه كما أن من اتقى الله جعل الله له من أمره يسراً.
6. ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد فإن البر يزيد في العمر والفجور يقصر العمر.
7. ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها،ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة: السيئة بعدها وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
8. ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾.
9. ومنها أن المعصية تورث الذل ولا بد فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً﴾وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك . وقال الحسن البصري: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال عبدالله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانهـا
10. ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين كما قال بعض السلف في قوله تعالى ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ قال: هو الذنب بعد الذنب.
11. ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن قال تعالى ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾.
12. ومن عقوبات المعاصي أنها تطفي نار الغيرة من القلب، وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أغير الخلق على الأمة والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه r أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أ غير منه والله أغير مني".
والمقصود أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس وقد تضعف في القلب جداً حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره بل قد يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ويدعوه إليه ويحثه عليه ويسعى في تحصيله ولهذا كان الديوث أخبت خلق الله والجنة عليه حرام.
13. ومن عقوبات ارتكاب المعاصي : ذهاب الحياء الذي هو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه. وفي الصحيح عنه r أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
14. ومنها أن المعاصي تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة وإلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب. وقد قال تعالى ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ وقال تعالى﴿وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير﴾ ولقد أحسن القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقـم
15. ومن عقوباتها:
سقوط الجاه والمنزله والكرامة عند الله وعند خلقه فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزله أطوعهم له. فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر ساقط القدر، زري الحال، لا حرمة له ولا فرح ولا سرور. وأين هذا الألم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة؟
16. ومن عقوباتها أن تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذل والصغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والصالح والطيب. وتكسوه اسم الفاسق والفاجر والمسيئ والمفسد والخبيث والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي وأمثالها. وهذه أسماء الفسوق و ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾.
17. المعاصي تقود صاحبها إلى سوء الخاتمة فقد يموت على معصية ومن مات على شيء بعث عليه يوم القيامة فكم من شخص مات سكران أو زانياً أو سارقاً.. الخ. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
18. وهناك ما هو أدهى وأمر وهو أن يخون العاصي قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله سبحانه وتعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة وقد شوهد كثير من المحتضرين أصابهم ذلك. حتى قيل لبعضهم قل "لا إله إلا الله" فقال "آه آه لا أستطيع أن أقولها . وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله" فقال:
يا رب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب
ثم قضى
19. اقتراف المعاصي والكبائر يفني الحسنات ولو كانت مثل الجبال. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
20. ومنها: أن المعاصي توهن القلب وبالتالي توهن البدن فيصاب العاصي بأمراض نفسية وعصبية وأمراض عضوية والواقع خير شاهد على ذلك فمستشفيات الأمراض النفسية والعصبية قد انتشرت بشكل ملفت للنظر وهي تزداد يوماً بعد يوم وكذلك المستشفيات العامة وفي كل مرة تظهر أمراض جديدة لم تكن معهودة من قبل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونختم بقول ابن عباس رضي الله عنه إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق".


--------------------------------------------------------------------------------

(1) هذا البحث ملخص من الداء والدواء لابن القيم.
اضافة رد مع اقتباس